جاري التحميل...

من المساندة إلى الشراكة في الجريمة: قراءة نفسية ـ أخلاقية:

بقلم : عماد خالد رحمة _ برلين.

تردّدت مقولة: «مَنْ يَقِف مَعَ الظَّالِم في ظلمه يَكُونَُ مِثْلُهُ، وأحياناً أَكْثَر…» في الكثير من الدراسات الاجتماعية والأخلاقية .
وذلك لإنّ هذه المقولة تحمل في طيّاتها حكماً مزدوجاً: فهي لا تدين الظالم وحده، بل تدين أيضاً أولئك الذين يحيطون به في دائرة التأييد أو الصمت أو التبرير. في ضوء المنهج النفسي والأخلاقي، يمكن القول إنّ الوقوف مع الظالم يتجاوز حدود الفعل الظاهري ليغدو آلية نفسية وسقوطاً أخلاقياً في آن واحد.
١ ـ الآلية النفسية: التبرير والتطبيع مع الشرّ :
أظهر ألبرت باندورا في أبحاثه حول التبرير الأخلاقي أنّ الإنسان حين يجد نفسه مشاركاً في فعلٍ منكر، قد يخفّف من وطأة ضميره عبر آليات دفاعية مثل:
_ إعادة تسمية الفعل: تحويل الظلم إلى “حزم” أو “ضرورة سياسية”.
_ إلقاء اللوم على الضحية: اعتبار المظلوم مسؤولاً عن محنته.
التماهي مع السلطة: الانصهار في صورة “الأب الحامي” الذي يمثله الحاكم أو المتسلط.
بهذا المعنى، يصبح المساند للظالم أكثر خطراً من الظالم ذاته، لأنّه يُكسِب الجريمة شرعية نفسية واجتماعية.
٢ ـ البعد الأخلاقي: من سقوط الفرد إلى انحلال الجماعة:
يرى إميل دوركهايم أنّ الأخلاق ليست شأناً فردياً فحسب، بل هي نظام جمعي يُملي على الأفراد ما هو مقبول وما هو مدان. فإذا صمتت الجماعة أو باركت الظالم، فإنّها لا تبرّئ نفسها، بل تدخل في دائرة الانحلال الأخلاقي. وهنا يتحقق ما قاله سقراط يوماً: «الشر الأعظم ليس أن تُظلم، بل أن تصبح شريكاً في الظلم».
فالظالم فردٌ قد يزول بموته أو بسقوط سلطته، لكنّ أخطر ما يُبقي الظلم حيّاً هو تحوّله إلى ثقافة عامة تتغذى من تطبيع القهر واعتباره “أمراً واقعاً”. عندها لا يعود الظلم فعلاً استثنائياً، بل يصير نمطاً للحياة السياسية والاجتماعية.
٣ ـ المساند أكثر من الظالم:
لماذا تقول المقولة إنّ من يقف مع الظالم قد يكون “أكثر” من الظالم نفسه؟
_ لأنّ الظالم يفعل بيدٍ واحدة، بينما المساند يضاعف قوته بتوفير الغطاء الأخلاقي والجماهيري.
_ لأنّ الظالم قد يجهل عواقب فعله تحت غواية السلطة، لكنّ المساند يختار بإرادته الواعية أن يغمض عينيه عن الحقيقة.
_ لأنّ الظالم يستند إلى خوف الآخرين، والمساند يكرّس هذا الخوف كمنظومة راسخة في المجتمع.
_ ٤ ـ نحو مقاومة نفسية وأخلاقية:
إنّ مقاومة الظلم ليست مجرّد ثورة على السلطة، بل هي أوّلاً ثورة على آليات التبرير في داخل النفس. لا يكفي أن نرفض الطاغية إن بقينا نبرّر لأنفسنا الصمت أو الحياد. هنا يصبح التواطؤ النفسي أشدّ خطراً من العنف المباشر. ومن هذا المنطلق، يمكن استعادة مقولة حنّة آرندت عن تفاهة الشر: إنّ أعظم الجرائم لا تُرتكب فقط بيد الطغاة، بل عبر أشخاص عاديين يختارون الطاعة والتسويغ والتماهي مع السلطة.
_ الخلاصة:
إنّ من يقف مع الظالم لا يكون مجرّد تابع، بل يتحول إلى مضاعِف للشرّ، إذ ينقل الظلم من فعل فردي إلى منظومة متكاملة من التبرير والتطبيع. وهذا ما يجعل خطورته ـ كما تقول المقولة ـ أحياناً أشدّ من خطورة الظالم نفسه.