جاري التحميل...

من الهيمنة الى عدم الامتثال: كيف يعيد العالم تعريف القوة والنفوذ في النظام الدولي الجديد؟

باحث في العلاقات الدولية

 

مع نهاية الحرب الباردة وانهيار الكتلة الشرقية عام 1991، ورثت الولايات المتحدة جميع اسباب احتكار القوة المطلقة بصورة منفردة. واصبحت القوة العسكرية والاقتصادية الأكبر، والدولة الوحيدة القادرة على صياغة قواعد النظام الليبرالي الدولي، وتحديد أولويات الأمن العالمي، وبناء تحالفات واسعة تمتد من أوروبا إلى آسيا والشرق الأوسط. مع اسطول عسكري بحري ضارب ينتشر في كل مياه العالم. على هذا النحو، اعتاد المحللون على قراءة السياسة الدولية من عدسة السياسات الامريكية، مع مناقشة بعض المؤثرات التي سريعاً ما كانت تتلاشى بفعل القوة الامريكية المفرطة؛ او القوانين الصارمة الصادرة عن الادارات الامريكية.

تؤكد حركة التاريخ ومسارات انحدار وصعود امبراطوريات جديدة، ان انتقال النظام الدولي لا يحدث بالضرورة عندما تضعف القوة المهيمنة او تتفكك فقط، بل عندما تتوافر قوة بديلة قادرة على بناء نموذج جديد قادر على انتاج وامتلاك مصادر القوة البديلة. هذه التحولات الكبرى لا تأتي بإعلان رسمي أو لحظة تاريخية فارقة. وعادةً ما تبدأ بهدوء، من خلال تغير تدريجي في توجهات وسياسات الدول الرافضة للقوة المهيمنة؛ وهذا هو جوهر التحول الذي يشهده العالم اليوم. ليس تمرداً على النظام الامريكي المهيمن، ولا انتقالًا مباشرًا إلى نفوذ صيني أو روسي بديل، بل نتيجة لقناعة راسخة بدأت تتبلور منذ انطلاق الحرب الروسية-الاوكرانية عام 2022. وترسخت مع انطلاق الحرب الامريكية-الايرانية في شباط 2026 جوهرها، عدم قدرة أي قوة منفردة – بما فيها الولايات المتحدة، على الاستمرار في اخضاع الدول الفاعلة والكيانات من غير الدول لسياساتها. بعبارة اخرى، ضعف القوى الكبرى على فرض امتثال دولي واسع.

هذا لا يعني ان واشنطن فقدت هيمنتها على العالم، لكنها لم تعد القوة الوحيدة القادرة على احتكار وانتاج مصادر القوة؛ مع دخول لاعبين جدد من منافسين دوليين وفاعلين مؤثرين من غير الدول غدت أدوات القوة التي كانت تصلح في القرن العشرين ويجري ادراجها على قائمة تصنيف القوة العالمي، ومنها- حجم القوة العسكرية وانتشارها في العالم، نوع التسليح، عدد حاملات الطائرات، حجم الاقتصاد، القدرات النووية، عدد التحالفات. قوة العملة الوطنية للدول وحجم انتشارها للتداول في الاسواق العالمية- مع ان هذه العناصر لم تفقد اهميتها بشكل كامل، قد بدأت تنزف وتفقد قيمتها. فإنتاج القوة واحتكارها لم يعد شيئاً تملكه الدول/ة ولا حكراً عليها، بل أصبحت شيئاً ينتج داخل شبكات معقدة. والدول/ة جزءً من هذه سلسة الانتاج؛ وليس السلسلة كلها. وبالتالي؛ بدأت تظهر حركة عالمية -تتركز في الجنوب العالمي، تطالب بمساحة اوسع من الحرية والاستقلال في المواقف والسياسات بعيداً عن الامتثال الكامل او شبه الكامل لمواقف الاقطاب الدولية، التي سادت خلال فترة الحرب الباردة. وانفردت بها واشنطن لاحقاً.

هنا تحديدًا تظهر المفارقة الأمريكية. صحيح ان واشنطن لم تفقد موقعها على رأس الهرم العالمي بعد، لكنها فقدت جزءًا من قدرتها على ترجمة قوتها إلى موقف يحوز على شبه اجماع عالمي. كما فقدت نفوذها التقليدي حتى على أقرب حلفائها في الناتو؛ منطقة الشرق الاوسط، واجزاء واسعة من اسيا وافريقيا. وهذا هو الفارق بين امتلاك القوة وبين إنتاج الامتثال. على سبيل المثال. فشلت امريكا -منذ 15 آب/ اوغسطس 2025؛ في فرض رؤية الرئيس ترامب على حلفائها الاوروبيين لانهاء الحرب الروسية-الاوكرانية وفق صيغة الاسكا/أنكوريج. كما عجزت واشنطن عن تشكيل تحالف دولي لإعلان الحرب على طهران، وحتى قبول فكرة ضم جرينلاند. بل اقل من ذلك، رفضت الدول الاوروبية المشاركة في حملة عسكرية لفتح مضيق هرمز بالقوة. واتخذت اسبانيا مواقف جريئة ومتقدمة ضد حرب الابادة الجماعية على قطاع غزة.

ومع مزيد من التعمق في ظاهرة تآكل قابلية الدول والكيانات للامتثال للموقف الامريكي؛ يمكن العثور على مزيد من الامثلة، منها على سبيل المثال. تعاون الهند مع واشنطن بهدف مواجهة النفوذ الصيني؛ لكنها ما زالت تشتري النفط والسلاح من روسيا. طورت دول الخليج العربي شراكاتها مع بكين، وموسكو على الرغم من اتفاقيات الشراكة مع واشنطن، كما رفضت دول الخليج الانخراط في الحرب ضد النظام الايراني. تركيا العضو في حلف الناتو، تحتفظ بعلاقات موثوقة مع روسيا وتطور علاقات اقتصادية مع الصين. بينما، لا تتوقف البرازيل عن المطالبة بضرورة اصلاح النظام العالمي واسقاط الاحادية الامريكية. تتعاون مصر مع الجميع -روسيا الصين وامريكا؛ على مبدأ الحفاظ على المصالح الوطنية والعروبية. في الوقت الذي رفضت فيه جنوب افريقيا إدانة ما تسميه واشنطن الغزو الروسي لأوكرانيا، نظمت مناورات عسكرية مشتركة مع موسكو وبكين في يناير 2023 استمرت لمدة 10 ايام. يضاف الى كل هذا؛ رفضت معظم دول العالم القرارات الامريكية- الغربية بفرض عقوبات على روسيا، بل على العكس استمرت الدول في تطوير علاقاتها الاقتصادية والتشاركية مع موسكو. علاوة على ذلك، رفضت دول جنوب شرق آسيا ومنها ماليزيا، اندونيسيا، فيتنام وتايلاند؛ الانخراط الكامل في الاستراتيجية الامريكية لاحتواء الصين، مفضلة سياسة التوازن المنضبط وحافظت على علاقات دافئة مع روسيا.

ومع دخولنا الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين؛ يبدو ان التحدي الاكبر في امتلاك مصادر القوة سيكون خارج إطار الدول التقليدية. فالقوة اليوم لم تعد تنتج فقط من الجيوش والاقتصادات التي تحتكرها الدولة-على الرغم من اهميتها، بل من البيانات الضخمة، الذكاء الاصطناعي، أشباه الموصلات والعناصر النادرة، مصادر الطاقة، سلاسل الإمداد والتوريد، الممرات المائية والمضائق، المنصات الرقمية التي تؤثر في توجهات الرأي العام. شركات التكنولوجيا الكبرى التي أصبحت لاعبًا مؤثرًا في السياسة والاقتصاد العالمي. كلها عناصر قوة قادرة على التأثير في حسابات القوى الكبرى. على سبيل المثال، استطاع مدير شركة سبيس اكس- الملياردير ايالون ماسك؛ من تحويل مجرى الحرب في اوكرانيا عندما أقدم على قطع تغطية شبكة ستارلينك في العام 2022 و2025 وادخل الجيش الاوكراني في حالة من العمى الرقمي. بالمثل، تحركت شركات التأمين العالمية وقامت بإلغاء بوليصة التأمين للسفن ضد الحروب عندما هددت طهران باستهداف ناقلات النفط في مضيق هرمز، على الرغم من تعهدات ترامب بمرافقة المدمرات الامريكية للسفن في المضيق.

هذا التحول في المشهد الدولي، او ما يمكن وصفه “الاستقلالية الاستراتيجية” لا يعني بالضرورة تعبيرًا عن الانحياز لموسكو او بكين ولا تمرداً على واشنطن، بقدر ما هو مؤشرًا على تحول أعمق؛ جوهره ان هذه الدول والكيانات الربحية الفاعلة؛ لم تعد ترى أن مصالحها الوطنية والاقتصادية يجب أن تصاغ من عدسة قوة واحدة، حتى لو كانت هذه القوة هي الولايات المتحدة. كونها تملك جزءاً من سلسلة انتاج مصادر القوة المتعددة في العالم تمكنها من المساهمة في اتمام السلسلة للمنفعة العامة.

يبدو ان السلوك الدولي وغير الدولي الجديد؛ لن يكون مجرد براغماتية مؤقتة فرضتها البيئة الامنية او الاقتصادية المعقدة، بل هو انعكاس لتحول يجري التأسيس له في بنية النظام الدولي نفسه؛ يقوم على الفصل بين الالتزامات مع الحليف والمصالح الوطنية والاقتصادية الخاصة. على مبدأ لا الحليف القوي ولا العدو القوي يجب ان يُطاع. ضمن هذا السياق، كلما تعددت مراكز انتاج القوة في العالم، تراجعت قدرة القوى المهيمنة على ترسيخ مبدأ الامتثال. وقد عززت الحرب الامريكية-الايرانية هذه الحجة، فالتفوق العسكري الامريكي، رغم أهميته، لم يحقق الأهداف السياسية. وتفاجأت واشنطن بشكل غير متوقع من مستوى خطورة استمرار اغلاق مضيق هرمز على اقتصادات العالم. هذه نقطة جوهرية في فهم طبيعة التحول الجاري وترجمة واضحة لكيفية الاستثمار في امتلاك عناصر القوة في عدم الامتثال للقوة المهيمنة.

في هذا السياق، فإن الحديث عن انتقال العالم من أحادية القطبية إلى عالم متعدد الاقطاب او الاطراف لم يعد دقيقاً وبحاجة مراجعة. فالدولة الواحدة لم يعد بمقدورها انتاج واحتكار كل مصادر القوة في العالم كما كان سائداً في العقود الماضية. كما ان التعددية القطبية ايضاً أصبحت مصطلحاً لا يصلح في ظل التطورات التكنولوجية الهائلة التي نشهدها في هذا العصر. على افتراض انها تحصر تقاسم النفوذ وامتلاك مصادر القوة في طرفين من القوى الكبرى، بينما الواقع يقول، ان القدرة على انتاج مصادر القوة اصبحت متعددة ولم تعد حكراً على الدول الكبرى. وبالتالي، فان السمة الابرز للنظام الدولي الاخذ بالتشكل لن تكون احادية ولا متعدد الاقطاب، بل نظام دولي متعدد مراكز انتاج القوة محكوماً بالمصالح لا بمنطق الهيمنة.