جاري التحميل...

من الوجود العسكري إلى الشراكة الثنائية: الانسحاب الأمريكي من العراق عام 2026 وقراءة تاريخية في التحولات السياسية والأمنية

د: مروة شهيد الخزعلي 

  باحثة في التاريخ المعاصر وتحليل العلاقات الدولية                                                                                
يمثل الانسحاب الأمريكي من العراق لعام 2026 محطة بارزة ومهمة في تاريخ العلاقات العراقية-الأمريكية؛ ليس لأنه يضع حدًا لمرحلة طويلة من الوجود العسكري الأمريكي في العراق، كان بدايتها مع أحداث عام 2003 وبشكل مختلف ، وإنما عائداً إلى سياق تحولات سياسية وأمنية وإقليمية عميقة بأعادة تشكيل طبيعة العلاقة بين بغداد وواشنطن, لاسيما
بعد أكثر من عقدين على دخول القوات الأمريكية إلى العراق من عام 2003، وما أعقب ذلك من انسحاب عام 2011، ثم عودة القوات الأمريكية في إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش عام 2014 حتى عام 2026,كان دخول العلاقات العراقية-الأمريكية مرحلة جديدة عنوانها المعلن الانتقال من المهمة العسكرية للتحالف إلى نمط من التعاون الأمني الثنائي بين البلدين. في ظل تحديد بغداد وواشنطن نهاية أيلول من العام نفسه ,موعدًا لإكمال انسحاب القوات الأمريكية والقوات المرتبطة بالمهمة العسكرية للتحالف من العراق
واكتسبت هذه المرحلة أهميتها من كونها لا تتعلق بمجرد حركة عسكرية تتمثل بخروج القوات والمعدات العسكرية فقط بل ارتبطت بإعادة تعريف العلاقة بين دولتين جمعتهما خلال العقود الماضية ملفات أمنية وسياسية واقتصادية متشابكة. ومن ثم، فإن السؤال الأساسي لا يتمثل في كيفية خروج القوات الأمريكية فحسب، بل في طبيعة المرحلة التي تلي وتعقب هذا الخروج، وما إذا كان التعاون الثنائي قادراً على أن يحل محل الوجود العسكري المباشر بوصفه إطاراً للعلاقة الأمنية بين البلدين.

أولاً: البداية العسكرية والتحول الانسحاب الأول من عام 2003 إلى عام 2011
شكل عام 2003 نقطة تحول فارقة وتاريخية في العراق والمنطقة بعد التدخل العسكري الأمريكي الذي أدى إلى إسقاط نظام السابق تحت قيادة صدام حسين، ثم إقامة نظام سياسي جديد أعيدت من خلاله صياغة مؤسسات الدولة العراقية وعلاقاتها الداخلية والخارجية
وخلال السنوات التالية، أصبح الوجود العسكري الأمريكي أحد أبرز عناصر المشهد السياسي والأمني العراقي وكان يتصدره في المقدمة وعدم انفصاله عن التطورات الإقليمية والدولية التي شهدتها المنطقة، وارتباطه بتوازنات دولية وإقليمية جديدة، وبصراع متداخل بين قوى متعددة سعت إلى التأثير الكبير في مسار الدولة العراقية,
حتى مجيء عام 2011 كان لبداية مرحلة مختلفة شهدتها حكومة العراق متمثلة في انسحاب القوات الأمريكية من العراق وإنهاء وجودها العسكري المباشر آنذاك, إلا أن انسحاب 2011 لم يؤدي إلى انتهاء العلاقات العراقية-الأمريكية، بل شهدت نقلة في تطور العلاقة إلى مستوى آخر من التعاون السياسي والدبلوماسي والأمني

وما أظهرته التطورات اللاحقة حول خروج القوات العسكرية لا يعني بالضرورة نهاية الدور الدولي في العراق؛ بل تركت الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية حاضرة في العلاقات بين بغداد وواشنطن.

ثانياً: من الاحتلال إلى مكافحة الإرهاب بعودة القوات الأمريكية للعراق عام 2014
شهد ظهور تنظيم داعش وسيطرته على مساحات واسعة من الأراضي العراقية في عام 2014
من عودة القوات الأمريكية إلى العراق ضمن إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، وبطلب من الحكومة العراقية، لتختلف طبيعة المهمة عن المرحلة التي سبقت انسحاب عام
2011,حيث اصبح  التركيز الأساسي على تقديم الدعم والمشورة والتدريب والمعلومات والمساندة العسكرية للقوات العراقية في مواجهة التنظيم الإرهابي والحد من خطورته، بدلًا من إدارة العمليات العسكرية بوصفها قوة احتلال, كما كان عليه الحال في مرحلة ما بعد 2003
ومع تطور قدرات القوات العراقية واستعادة الأراضي التي سيطر عليها داعش، بدأت طبيعة المهمة الدولية تتغير تدريجياً وأصبحت مسألة الانتقال من المهمة العسكرية للتحالف إلى علاقة أمنية ثنائية أكثر حضوراً في الحوار بين بغداد وواشنطن.

ثالثاً: بداية الاتفاق على الانتقال إلى مرحلة جديدة في عام 2024
ففي 27 أيلول من عام 2024، أعلنت الولايات المتحدة والعراق جدولاً زمنياً لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق، مع التوجه نحو إقامة شراكات أمنية ثنائية بين بغداد خلال العام نفسه وكانت تشكل نقطة مهمة وفيصلية في تحديد مستقبل الوجود العسكري الدولي في العراق
في ظل استناد الشراكة الاستراتيجية للعلاقات بين العراق والولايات المتحدة خلال تلك المرحلة الجديدة وهدفها القائم آنذاك حول تقديم الدعم للقوات العراقية والعمل بالضغط على تنظيم داعش ومنع عودته في ظل المباحثات الطويلة داخل اللجنة العسكرية العليا العراقية-الأمريكية، لاسيما الانسحاب لم يكن قراراً مفاجئاً أو معزولاً عن سياق العلاقات الثنائية اثناء التطورات الأمنية التي شهدها العراق والمنطقة وهذا بحد ذاته يساعد لى دخول في اقامة شراكة بين العراق وواشنطن للوصول إلى حلول تصب في مصلحة الأمن في المنطقة.

رابعاً: نهاية مرحلة عسكرية يشهدها العراق خلال الانسحاب الأمريكي عام 2026
مع اقتراب نهاية أيلول من عام 2026، دخل الانسحاب الأمريكي من العراق مرحلته النهائية
وأعلنت السلطات العراقية أن 30 أيلول يمثل الموعد النهائي لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي واستكمال خروج القوات الأمريكية، فيما أكدت واشنطن أن عملية الانسحاب تسير وفق الجدول المتفق عليه
ويكتسب هذا التاريخ نوع من أهمية الرمزية والتاريخية؛ لأنه يمثل نهاية الوجود العسكري الأمريكي وحقبته التي ارتبط بها العراق منذ احتلاله في عام 2003، وإن كانت طبيعة وجود الاحتلال قد تغيرت جذرياً عبر مراحله المتعددة
رغم مغادرة القوات الأمريكية خلال المرحلة السابقة عدداً من المواقع والقواعد، بينما استمر وجود عسكري أمريكي في إقليم كردستان العراق حتى المرحلة النهائية من الانسحاب ولذلك كان السياق السياسي والأمني مختلف عن طبيعة المهمة العسكرية التي سبقت الانسحاب مختلفة.

وبذلك نؤكد قولنا، بأن النظر إلى عام 2026جاء بعد مرحلة من التعاون العسكري مع الحكومة العراقية وما يشكله من التوغل في المعطيات الجديدة واحداثه نوع من أهمية الكبيرة؛  نتيجة لمسار بدأ سياسياً وأمنياً قبل عامين، وليس حدثاً منفصلًا عن تطورات العلاقة بين البلدين
إضافة إلى ذلك، فإن الاتفاقات الحالية تتحدث بصورة واضحة عن الانتقال من المهمة العسكرية للتحالف إلى شراكة أمنية ثنائية، وهو ما يجعل عام 2026 جزءاً من عملية إعادة تعريف العلاقة العراقية-الأمريكية وبحلتها جديدة القائمة على مراعاة الشراكة الوثيقة ومنع أحداث التدخلات الخارجية التي تزعزع كدر صفوة العلاقة الأمنية بين البلدين, وهذا يعني أن انتهاء المهمة العسكرية لا يعني بالضرورة انتهاء العلاقات الأمنية بين البلدين، لاسيما
العلاقة الثنائية يمكنها أن تستمر من خلال القنوات الدبلوماسية والأمنية، وبرامج التدريب والتسليح، وتبادل المعلومات، والتعاون في مكافحة الإرهاب، فضلاً عن المجالات الاقتصادية والسياسية
خامساً: البعد الأمني.. بين تنامي القدرات العراقية واستمرار التحديات الداخلية والخارجية
أحد أهم الأسئلة التي يثيرها الانسحاب الأمريكي من العراق بشكل كامل هو يتمثل في مدى قدرة المؤسسات الأمنية العراقية على التعامل مع التحديات المستقبلية؟
لاسيما خلال السنوات الماضية، شهدت القوات العراقية تطوراً في الخبرة والقدرات العسكرية وأن كانت في بدايتها ، وهذه ما أظهرته لنا في مشاركتها في عمليات واسعة ضد تنظيم داعش، واستطاعت من خلاله استعادة السيطرة على المناطق التي كانت خاضعة للتنظيم,
الأمر الذي يجعل التعاون الاستخباري والأمني بين العراق وشركائه الدوليين ذا أهمية مستمرة
مع الانتقال من المهمة العسكرية للتحالف إلى التعاون الأمني الثنائي.

وبذلك نحلل الحدث ونذكر، بأن التحدي الأساسي أمام العراق لا يتمثل فقط في إدارة مرحلة ما بعد الانسحاب، بل في الحفاظ على المكتسبات الأمنية التي تحققت خلال الحرب على الإرهاب  وبهذا المعنى، فإن نجاح المرحلة الجديدة لن يقاس فقط بعدد القوات التي غادرت العراق، بل بقدرة البلدين على بناء علاقة مستقرة تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل، بعيداً عن الاعتماد على الوجود العسكري المباشر بوصفه محور العلاقة الأساسي.

 

سادساً: الانسحاب والتوازنات الإقليمية
لا يمكن فصل الانسحاب الأمريكي من العراق عن البيئة الإقليمية المحيطة به
في ظل وقوع العراق في منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة، ولذلك فإن أي تغيير في الوجود العسكري الأمريكي قد تكون له انعكاسات على الحسابات الأمنية والسياسية للدول المجاورة
ويبرز في هذا السياق عامل العلاقات العراقية-الإيرانية، فضلاً عن العلاقات العراقية مع دول الجوار كل من تركيا ودول الخليج العربي ,
كما أن التحولات الأمنية في المنطقة خلال عام 2026 تجعل مسألة التوازنات الإقليمية أكثر أثارة وتعقيد. وما شهدته عملية الانسحاب من نقاشات داخل العراق وخارجه حول مستقبل الردع الأمني، ومستوى الدعم الخارجي الذي تحتاج إليه المؤسسات العراقية، وطبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه القوى الإقليمية في المرحلة المقبلة.

ورويتنا حول ذلك ينبغي على الحكومة العراقية أن تعي هذه التطورات وتدركها ولاتختزل مستقبل العراق في تأثير دولة واحدة؛ في ظل امتلاك العراق من الموقع الجغرافي والسياسي الذي يسمح له بتطوير علاقات متعددة ومتوازنة مع محيطه العربي والإقليمي والدولي.

 

سابعاً: مستقبل للعلاقات العراقية-الأمريكية بعد الانسحاب ؟
أن عملية الانسحاب الأمريكي من العراق لعام 2026 بدوره يفتح الباب أمام مرحلة جديدة يمكن أن تتجه فيها العلاقة العراقية-الأمريكية نحو مزيد من الطابع المؤسسي
اثناء الانتقال من الوجود العسكري إلى التعاون الثنائي الذي يتيح للعراق فرصة توسيع علاقاته الخارجية على أساس المصالح الوطنية تأخذ دورها العملي في الحكم ، كما يتيح للولايات المتحدة الأمريكية أن تحافظ على قنوات التعاون مع العراق من خلال أدوات غير عسكرية أو أقل حضوراً من السابق,
وفي الوقت نفسه، فإن هذه المرحلة ستحتاج إلى إدارة دقيقة لعدد من الملفات، أبرزها مكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، وتطوير القوات المسلحة العراقية، والتعاون الاستخباري، والتسليح، فضلاً عن تحسين العلاقات الاقتصادية.
كما أن نجاح العراق في هذه المرحلة يتطلب تعزيز مؤسسات الدولة، وحصر القرار الأمني بالمؤسسات الرسمية الحاكمة، وتطوير قدرة الدولة على التعامل مع التحديات الداخلية والإقليمية.
وفي نهاية تحليل مقالنا ,نصل بالقول إلى حقيقة وأن غابت عن البعض او دركها وهي يمثل الانسحاب الأمريكي من العراق عام 2026 محطة تاريخية بارزة في مسار طويل ومعقد من العلاقات بين بغداد وواشنطن,
منذ عام 2003 مر العراق بمراحل متباينة من الوجود العسكري الأمريكي، بدأت بالتدخل العسكري، ثم انتهت مرحلة الوجود المباشر عام 2011، قبل أن تعود القوات الأمريكية عام 2014 ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، وصولاً إلى المرحلة الحالية والراهنة التي يجري فيها إنهاء المهمة العسكرية للتحالف والانتقال نحو إطار من التعاون الأمني الثنائي
التي حدد الاتفاق العراقي-الأمريكي لعام 2024 مبدأ الانتقال من المهمة العسكرية للتحالف إلى الشراكة الأمنية الثنائية، وهو ما يجعل انسحاب 2026 جزءاً من تحول أوسع في طبيعة العلاقات بين البلدين
فالعراق أمام فرصة لإعادة صياغة علاقاته الخارجية على أساس التوازن والمصالح الوطنية، بينما تصبح مسؤولية الحفاظ على الأمن والسيادة أكثر ارتباطاً بقدرة مؤسسات الدولة العراقية على إدارة الملفات الداخلية والإقليمية.

ومن منظور تاريخي، يمكن القول إن عام 2026 لا يمثل نهاية العلاقات العراقية-الأمريكية، بل يمثل نهاية وقصة كفاح فصل عسكري طويل وبداية فصل جديد، تتراجع فيه أهمية الوجود العسكري المباشر لمصلحة الدبلوماسية والتعاون الأمني والاقتصادي والسياسي
وهكذا، فإن الانتقال من الوجود العسكري إلى الشراكة الثنائية لا ينبغي أن يفهم باعتباره مجرد تغيير في شكل العلاقة، بل بوصفه تحولاً في طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه كل من حكومة العراق وواشنطن في المرحلة المقبلة، وفي قدرة العراق على بناء علاقات دولية أكثر توازناً وقبولاً في بيئة إقليمية شديدة التعقيد واثارة في التوازن الدولي خلال أوضاع التي يشهدها العالم المعاصر اليوم.