هناك قراراتٌ تُعلنها التنظيمات…
وهناك قراراتٌ يعلنها التاريخ نفسه.
في الأولى تُوزَّع المسؤوليات…
وفي الثانية تُستدعى الذاكرة، ويجلس الشهداء على أطراف المشهد، ويقترب الأسرى قليلاً من نوافذ الحرية، وتفتح المخيمات أبوابها القديمة لتطمئن أن الحكاية ما زالت تُكتب بأيدي أبنائها.
واليوم…
لم يكن اجتماع اللجنة المركزية لحركة فتح امس اجتماعاً عادياً في روزنامة السياسة الفلسطينية…
بل بدا وكأن غزة تحدث القدس…
والمخيم يصافح المدينة…
والقرية تعانق الوطن كله…
وكأن أبا عمار يبتسم في مكانٍ ما من ذاكرة الفلسطينيين، مطمئناً أن الشجرة التي زرعها الشهداء ما زالت تعرف كيف تمد جذورها عميقاً في الأرض، وكيف تدفع بأغصانها نحو المستقبل.
ففي لحظةٍ تشبه اجتماع الذاكرة مع التاريخ، وتقاطع الأمس مع الغد، تقف فتح من جديد لتقول إن الحكاية لم تنتهِ، وإن المشروع الوطني الفلسطيني ما زال قادراً على تجديد نفسه برجاله ونسائه، بشهدائه وأسراه، بمخيماته ومدنه، وبذاكرته الممتدة من الجيل المؤسس إلى الجيل الذي يحمل الأمانة اليوم.
إنه قرارٌ لا يُقرأ بوصفه إجراءً تنظيمياً عابراً، بل يُقرأ بوصفه امتداداً طبيعياً لمدرسةٍ بدأت مع ياسر عرفات، ومرّت عبر صلاح خلف وخليل الوزير، وتواصلت عبر كل الشهداء والأسرى والجرحى الذين كتبوا معنى فتح الحقيقي: أن تكون فلسطين فكرةً لا تنكسر ومساراً لا يتوقف ودماءً تُحوَّل إلى قرار.
اليوم، ومع تكليف الأخ المناضل توفيق الطيراوي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح بمهمة مفوض عام التعبئة والتنظيم، لا تعود الأسماء لتُذكر كعناوين شخصية، بل كامتدادٍ لمدرسةٍ كاملة صنعتها التجربة الفلسطينية بكل قسوتها وعمقها.
فهذا الرجل لم يأتِ إلى التعبئة والتنظيم من أبواب السياسة الضيقة، بل جاء إليها من الطريق الفلسطيني الطويل…
من الزنزانة التي تصنع الصبر…
ومن الميدان الذي يصنع القرار…
ومن التجربة الأمنية والوطنية التي تعلم فيها أن الأمن في فلسطين ليس وظيفةً ولا رتبةً ولا مكتباً، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية لحماية البيت الفلسطيني وصون المشروع الوطني من العواصف.
عرف الاعتقال والسجون في سنواتٍ مبكرة من حياته النضالية، وعرف قسوة الزنازين بعيداً عن الوطن، وعرف أن المناضلين الحقيقيين لا تُقاس أعمارهم بالسنوات، بل بما حملوه من أعباءٍ وما دفعوه من أثمان.
وهو من ذلك الجيل الذي لم يقرأ الحصار في الكتب، بل عاشه لحظةً بلحظة…
وكان بين الرجال الذين بقوا إلى جانب ياسر عرفات في الأيام الأصعب، حين كان الحصار يطبق على المقاطعة وكانت الإرادة الفلسطينية تختبر كل صباح.
هناك…
لم يكن السؤال عن الموقع أو المنصب…
بل عن الثبات والوفاء والبقاء إلى جانب القائد والقرار الوطني في أكثر لحظاته حساسية.
وعرفته فلسطين في المواقع الصعبة قبل المواقع الهادئة…
وعرفته المؤسسة يوم احتاجت إلى الحزم…
وعرفته الحركة يوم احتاجت إلى الخبرة…
وعرفته الأجيال واحداً من أبناء مدرسةٍ آمنت أن التنظيم روحٌ قبل أن يكون هيكلاً، وأن فتح لا تُبنى بالهتاف وحده، بل بالتعب والصبر والانضباط والإيمان بالفكرة.
وفي مسيرته الطويلة، لم يكن ابن موقعٍ واحد، بل ابن تجربةٍ كاملة حملت شيئاً من المخيم وشيئاً من المؤسسة، وشيئاً من الذاكرة الفلسطينية التي تعرف أن الرجال الحقيقيين لا تصنعهم المناصب، بل تصنعهم السنوات الصعبة.
ولعل في هذا الاختيار رسالةً فتحاوية واضحة:
أن التعبئة والتنظيم لا تحتاج فقط إلى الإداريين…
بل تحتاج أيضاً إلى رجالٍ يعرفون الناس كما يعرفون الوطن…
ويعرفون المخيم كما يعرفون المؤسسة…
ويعرفون كيف تتحول الفكرة إلى تنظيم، وكيف يتحول التنظيم إلى قوة وطنية قادرة على حماية المشروع الفلسطيني.
وإذا كانت فتح قد تعلمت من تاريخها الطويل أن الرجال يُقاسون بالفعل لا بالقول، فإنها اليوم تعيد التأكيد على أن هذا الاختيار ليس سوى استمرارٍ لنهجٍ يربط بين المخيم والقرار، وبين البندقية الأولى ومؤسسات الدولة، وبين تضحيات الماضي ومسؤوليات الحاضر.
ومن هنا، يبدو المشهد وكأن فتح تعيد ترتيب أوراقها لا لتوزيع المواقع، بل لتوزيع الأمانة.
فهناك من يحمل عبء الاقتصاد والمال…
وهناك من يحمل مسؤولية العلاقات الخارجية…
وهناك من يحمل ملف القدس…
وهناك من يحمل العمل الجماهيري والمنظمات الشعبية والبناء الوطني والإغاثي…
وهناك من يتابع أبناء الحركة في الوطن والخارج…
وهناك من يفتح أبواب التنظيم على المستقبل…
وكل ذلك تحت سقف مسؤولية جماعية تؤمن أن فلسطين أكبر من الأفراد، وأن نجاح أي مهمة يبدأ من تكامل الأدوار لا من تنافسها.
وفي قلب هذا المشهد، يبقى الأخ الرئيس محمود عباس حاضراً بثقل التجربة، وحكمة المرحلة، وصبر الرجال الذين يحملون الأمانة حين تثقل الأمانة، حارساً للقرار الوطني الفلسطيني، ومتمسكاً بإرث أبي عمار، ومؤمناً أن بقاء فلسطين على الخريطة السياسية هو جزءٌ من بقاء الحق الفلسطيني نفسه.
فله من المخيم الذي ينتظر…
ومن غزة التي تصبر…
ومن القدس التي تقاوم النسيان…
ومن القرية التي تحرس زيتونها…
ومن المدينة التي تتمسك بالحياة…
ومن أمهات الشهداء وآباء الأسرى…
كل الشكر والتقدير والوفاء.
كما يبرز الدور المحوري للأخ حسين الشيخ، الذي حمل وما زال يحمل أعباءً سياسية وتنظيمية كبيرة في مرحلةٍ شديدة التعقيد، واضعاً خبرته وعلاقاته في خدمة المشروع الوطني والحركة.
ويبقى للأخ جبريل الرجوب حضوره المعروف في الميدان الوطني والتنظيمي، بما يمثله من تجربةٍ طويلة وصوتٍ حاضرٍ في الدفاع عن القضية الفلسطينية في مختلف الساحات.
أما الإخوة أعضاء اللجنة المركزية جميعاً، من حملوا مسؤولية المال والاقتصاد، والعلاقات الخارجية، والقدس، والعمل الجماهيري، والبناء الوطني، والمنظمات الشعبية، والعلاقات الوطنية، والأقاليم في الوطن والخارج، فإن لهم من الشكر بقدر ما يحملون من مسؤولية، ومن الوفاء بقدر ما يحملون من أمانة، فهم لا يديرون ملفاتٍ تنظيمية فحسب، بل يحملون معهم تاريخ حركةٍ وتضحيات شعبٍ وآمال أجيالٍ كاملة.
إنها لحظة تقول فيها فتح:
نحن لا نُعيد توزيع الأدوار فقط…
بل نُعيد التأكيد على الاستمرارية.
ونحن لا نُعلن قراراً تنظيمياً فقط…
بل نُجدد العهد مع التاريخ.
ونحن لا نُكرم رجلاً بعينه فقط…
بل نُكرم مساراً كاملاً من التضحيات.
وإذا كان في هذا القرار رسالة، فهي أن فتح ما زالت قادرة على أن تجمع بين الماضي والحاضر، بين الرموز والتجربة، بين المخيم والدولة، بين الحلم والواقع، وأنها ما زالت تؤمن أن فلسطين لا تُدار إلا بعقلٍ جماعي، وذاكرةٍ جماعية، ومسؤوليةٍ جماعية.
وفي النهاية…
يبقى المخيم حاضراً…
وغزة حاضرة…
والقدس حاضرة…
والقرية والمدينة حاضرتين…
ويبقى التاريخ شاهداً أن هذه الحركة رغم كل ما مر بها، ما زالت قادرة على أن تعيد إنتاج نفسها، وأن تضع رجالها في المكان الذي يليق بثقل المرحلة.
فتح تقول اليوم:
إننا أبناء مشروعٍ لم يبدأ بنا، ولن ينتهي بنا…
وأن الرايات قد تتبدل بين الأيدي، لكن العهد يبقى واحداً…
عهد الشهداء…
وعهد الأسرى…
وعهد فلسطين.
فمبارك للأخ توفيق الطيراوي وجميع الاخوة في اللجنة المركزية هذه الثقة الغالية…
ومبارك لفتح أنها ما زالت تعرف رجالها ساعة الحاجة…
ومبارك لفلسطين أنها ما زالت تنجب من يحمل عنها التعب، ويحرس حلمها، ويؤمن أن الوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من المواقع، وأسمى من كل التفاصيل العابرة.





