جاري التحميل...

من رهاب الآخر إلى تطرف الهوية: الإسلاموفوبيا والويستفوبيا وصراع الوعي لدى الشباب

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

لم تعد ظاهرة الخوف من الآخر في المجتمعات المعاصرة مجرّد انفعال عابر أو موقف نفسي من المختلف، بل تحوّلت إلى بنية ثقافية وسياسية وأيديولوجية تتغذّى من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ومن تصاعد الشعبوية والتعصب القومي والديني، وما يرافقهما من اضطراب في مفاهيم الهوية والانتماء والحرية. وفي هذا السياق، تبرز الزينوفوبيا، أو رهاب الأجانب، بوصفها إحدى الظواهر التي تكشف اختلال العلاقة بين الذات والآخر، وتعيد إنتاج الحدود النفسية والثقافية بين المجتمعات.

شهدت المجتمعات الأوروبية والأمريكية خلال العقود الأخيرة صعوداً لافتاً للتيارات الشعبوية واليمينية المتطرفة، بالتوازي مع تصاعد خطابات العنصرية والشوفينية والاستعلاء القومي، ولا سيما في ظل أزمات الهجرة واللجوء، والتفاوت الاقتصادي، وتراجع الشعور بالأمان الاجتماعي. وقد أسهمت الأزمة المالية العالمية عام ٢٠٠٨، وما أعقبها من تحولات اقتصادية وسياسية، فضلاً عن تداعيات هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر ٢٠٠١، في توسيع مساحة الخطابات التي تربط الأجنبي بالتهديد، وتختزل التنوع الثقافي في معادلة الخطر والاختلاف.
ومن الضروري التمييز بين الزينوفوبيا والعنصرية؛ فالأولى تقوم على الخوف من الأجنبي أو رفضه بسبب اختلافه وانتمائه الخارجي، بينما تستند الثانية إلى التمييز على أساس العرق أو اللون أو الأصل الإثني. وقد تتداخل الظاهرتان في الممارسة، وتتحولان إلى منظومة إقصاء تستهدف الإنسان في هويته وحقوقه وكرامته.

وفي هذا الإطار، تبرز الإسلاموفوبيا بوصفها أحد تجليات رهاب الآخر، حيث يُختزل الإسلام والمسلمون في صور نمطية تربط الدين بالعنف والتخلف، استناداً إلى قراءات انتقائية وممارسات جماعات متطرفة، مثل القاعدة وداعش. إنّ إدانة الإرهاب والتطرف واجب أخلاقي وإنساني، لكنها لا تبرر تحميل ملايين البشر مسؤولية أفعال تنظيمات لا تمثلهم، ولا اختزال دين وثقافة وحضارة في سلوك جماعات أيديولوجية مسلحة.
وفي المقابل، نشأت في بعض الأوساط العربية والإسلامية نزعات يمكن توصيفها بالويستفوبيا، أي الخوف المرضي أو الرفض التعميمي للغرب، تغذّيها الذاكرة الاستعمارية، وتجارب الاحتلال والهيمنة والتدخلات العسكرية، وما رافقها من استغلال للثروات وإضعاف للبنى الاجتماعية. غير أنّ اختزال الغرب بأكمله في سياساته الاستعمارية يتجاهل التعدد الفكري والثقافي داخله، كما يتجاهل إسهامات تياراته الإنسانية والفلسفية والعلمية والحقوقية، ومواقف قطاعات واسعة منه المناهضة للعنصرية والاستعمار.

وهكذا تتشكل ثنائية مغلقة: إسلاموفوبيا في بعض الخطابات الغربية، وويستفوبيا في بعض الخطابات الشرقية، يتغذى كل منهما من الآخر، ويعيد إنتاج الأحكام المسبقة ذاتها، وإن اختلفت مرجعياتها ومواقع القوة التي تستند إليها.

التطرف بين فئات الشباب: أزمة الهوية والبحث عن المعنى

تتخذ هذه الإشكالية أبعاداً أكثر تعقيداً حين ننتقل إلى فئات الشباب، باعتبارها مرحلة تتشكل فيها الهوية الفكرية والاجتماعية، وتتبلور خلالها تصورات الفرد عن الذات والمجتمع والمستقبل. فالشباب ليسوا كتلة أيديولوجية متجانسة، بل تتباين اتجاهاتهم بين اليمين المتطرف، والتيارات اليسارية، والحركات الدينية، والاتجاهات الليبرالية والمدنية، فضلاً عن فئات واسعة ترفض الانتماء الحزبي والأيديولوجي.

إنّ صعود التطرف اليميني بين بعض فئات الشباب الأوروبي يستدعي قراءة تتجاوز التفسير السطحي المرتبط بكراهية الأجانب وحدها؛ إذ تتداخل فيه مخاوف فقدان الهوية، والقلق الاقتصادي، والشعور بالتهميش، وتأثير الدعاية الرقمية، والخطابات القومية التي تصنع من المهاجر أو اللاجئ مسؤولاً عن الأزمات البنيوية للمجتمع.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال تنامي بعض أشكال التطرف الإسلاموي بين فئات شبابية، خصوصاً حين تُستثمر مشاعر الاغتراب والتمييز والإحباط، أو تُوظّف المظالم السياسية والحروب والصراعات لتقديم تصورات مغلقة عن العالم، تقوم على ثنائية الولاء والعداء، وتمنح الفرد هوية يقينية بديلة عن أسئلته الوجودية والاجتماعية. وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين التدين بوصفه حقاً فردياً وثقافياً، وبين التطرف الإسلاموي بوصفه مشروعاً أيديولوجياً إقصائياً يوظف الدين لتبرير الهيمنة أو العنف.
أما التيارات الشبابية اليسارية، فلا يجوز وضعها في سلة واحدة مع التطرف؛ فهي تضم اتجاهات متعددة، من الديمقراطية الاجتماعية إلى اليسار الراديكالي، وتتبنى قطاعات واسعة منها قضايا العدالة الاجتماعية والمساواة وحقوق الإنسان ومناهضة العنصرية والاستعمار. ومع ذلك، فإنّ بعض المجموعات أو الخطابات المتطرفة داخل أطيافها قد تنزلق إلى التبسيط الأيديولوجي، أو تبرير العنف، أو اختزال المجتمعات والأفراد في تصنيفات طبقية وسياسية مغلقة. ومن هنا تبرز ضرورة النقد المتوازن الذي يميّز بين الالتزام السياسي المشروع والتعصب الأيديولوجي.

إنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في اختلاف المرجعيات الفكرية، بل في تحوّلها إلى هويات مغلقة ترفض الحوار، وتحتكر الحقيقة، وتنزع عن الآخر حقه في الاختلاف. فالتطرف اليميني والإسلاموي، وأشكال التعصب الأيديولوجي أينما ظهرت، قد تلتقي في بنية ذهنية واحدة قوامها الإقصاء، وإن اختلفت شعاراتها ومبرراتها.

_ أزمة الوعي ومسؤولية الثقافة

إنّ مواجهة هذه الظواهر تستدعي فهماً أعمق لدور المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، ولا سيما في التعامل مع الأجيال الشابة. فالشباب الذين يعيشون بين ضغوط الهوية، وتناقضات الانتماء، وتأثير المنصات الرقمية، يحتاجون إلى فضاءات حقيقية للحوار والتفكير النقدي، لا إلى خطابات التعبئة والتحريض والتخويف.

ومن هنا تبرز أهمية التربية على المواطنة والتعددية، وتعزيز الثقافة الديمقراطية، وتحرير المعرفة من التوظيف الأيديولوجي، وإتاحة الفرصة أمام الشباب للمشاركة في الحياة العامة، والتعبير عن أسئلتهم ومخاوفهم دون وصاية أو إقصاء. كما ينبغي ألا تتحول مواجهة التطرف إلى ذريعة لتقييد الحريات أو وصم جماعات اجتماعية وثقافية بأكملها.
لقد أظهر مؤتمر ديربان العالمي لمناهضة العنصرية والتمييز العنصري، المنعقد في جنوب إفريقيا عام 2001، حجم التحديات التي تواجه المجتمعات في معالجة أشكال التمييز والإقصاء. غير أنّ أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر من العام نفسه أعادت توجيه جانب كبير من النقاش العالمي نحو قضايا الأمن والإرهاب، وأسهمت في تعقيد العلاقة بين الإسلام والمسلمين والمجتمعات الغربية.
وتكمن الإشكالية الأعمق في الخلط بين نقد السياسات الغربية والعداء للثقافة الغربية، وبين نقد الممارسات الدينية المتطرفة ومعاداة الإسلام والمسلمين. فالنقد حق معرفي وأخلاقي، أما التعميم والإقصاء فهما انحراف عن جوهر التفكير النقدي ذاته.
إنّ الغرب ليس كتلة سياسية وثقافية واحدة، كما أنّ المجتمعات العربية والإسلامية ليست فضاءً متجانساً تحكمه رؤية واحدة. ففي الغرب تيارات فكرية وإنسانية دافعت عن حقوق الشعوب وناهضت الاستعمار والعنصرية، وفي المجتمعات العربية والإسلامية تيارات تنويرية ومدنية وفلسفية أسهمت في الدفاع عن العقل والحرية والتعددية.
ومن هنا، فإنّ تجاوز الإسلاموفوبيا والويستفوبيا والتطرف بأشكاله المختلفة لا يتحقق بتبادل الاتهامات، بل بتفكيك البنى الفكرية التي تنتج الخوف والكراهية، وإعادة الاعتبار إلى الإنسان بوصفه قيمة تتقدم على العرق والدين والجنسية والانتماء الأيديولوجي.

إنّ معركة الوعي المعاصر ليست بين الشرق والغرب، ولا بين الأديان والحضارات، بل بين عقل ينفتح على الاختلاف وعقل ينغلق داخل يقينياته. والشباب الذين يمثلون مستقبل المجتمعات لا يحتاجون إلى مزيد من الأسوار النفسية والأيديولوجية، بل إلى المعرفة والعدالة وتكافؤ الفرص والحرية المسؤولة.
فلا مستقبل لمجتمع يخاف من الآخر، ولا نهضة لأمة تجعل من الاختلاف تهمة، ولا سلام لعالم يحتكر فيه كل طرف الحقيقة لنفسه.
إنّ تحرير الإنسان من الخوف هو الخطوة الأولى لتحرير الوعي من التطرف، وبناء عالم تتعدد فيه الهويات دون أن تتنافى، وتتجاور فيه الثقافات دون أن يلغي بعضها بعضاً.