لا أسأل اليوم من سرق المال…
ولا من سرق الأرض…
ولا حتى من سرق الوقت.
كل ذلك على قسوته، يمكن أن يُعوَّض.
لكنني أسأل عن السرقة التي لا يتحدث عنها أحد…
من سرق الغد من حياة الفلسطيني؟
متى أصبحنا نعيش أعمارنا بالأقساط؟
نؤجل أحلامنا إلى إشعار آخر…
ونؤجل أفراحنا إلى ظروف أفضل…
ونؤجل بناء بيوتنا…
وزواج أبنائنا…
ودراسة أحفادنا…
ثم نكتشف أن العمر نفسه انتهى وهو ينتظر موعدًا لم يأتِ.
في الأوطان الطبيعية، يختلف الناس في السياسة ويتنافسون في الاقتصاد ويتجادلون في الانتخابات، ثم يعود كل واحد منهم ليكمل حياته.
أما هنا…
فالحياة نفسها أصبحت مشروعًا مؤجلًا.
الموظف لا يعرف متى يتقاضى أجر تعبه.
والتاجر لا يعرف كيف يخطط لموسمه القادم.
والخريج يحمل شهادته كما لو كانت رسالة اعتذار من وطنٍ لم يجد له مكانًا.
والأب لم يعد يعد أبناءه برحلة، أو ببيت، أو بمستقبل…
صار يعدهم فقط بأن يحاول مرةً أخرى.
ولعل أكثر ما يوجع، أن الناس لم تعد تبحث عن الرفاهية.
لقد خفّضت سقف أحلامها مرة بعد مرة، حتى أصبح أقصى الطموح أن تمضي الأيام بأقل قدر من الخسائر.
أي مأساة هذه التي تجعل الإنسان يفاوض الحياة على حقوق كان ينبغي أن تكون بديهية؟
وأي وطن هذا الذي يقضي شعبه سنواتٍ وهو يحمل الأعباء كلها، بينما ينتظر أن يشعر بأن أحدًا يحمل معه طرف هذا الحمل؟
ويبقى السؤال الذي يتهرب منه الجميع…
إذا كان هذا الشعب، بكل ما يحمله من أعباء، يقاوم الاحتلال ويقاوم الانهيار الاقتصادي ويقاوم الغلاء ويقاوم الخوف على لقمة عيشه… فمن يقاوم من أجله؟
لا يكفي أن نصف الواقع، ولا أن نكرر أن المرحلة صعبة.
فالناس تعرف ذلك أكثر من أي تقرير، لأنها تعيشه كل صباح.
لكن ما لم يعد ممكنًا تجاهله، أن الحكومة أخفقت في أن تكون على مستوى اللحظة التي يعيشها المواطن. فالأزمات تتوالى أسرع من الحلول والهموم تكبر أسرع من المعالجات، بينما ينتظر الناس فعلًا يوازي حجم معاناتهم، لا مجرد توصيف لها.
إن الحكومة لا تُختبر في الأيام الهادئة، بل في الأيام التي يثقل فيها الحمل على الناس.
فإما أن تكون جزءًا من الحل…
وإما أن يتحول غيابها عن الفعل إلى جزءٍ من الأزمة نفسها.
ولهذا، ليس غريبًا أن تزداد الأسئلة في الشارع، وأن يتسع القلق في البيوت وأن يشعر كثيرون بأنهم تُركوا يواجهون مصيرهم وحدهم.
فالناس لا تغضب لأنها تطلب المستحيل…
بل لأنها تريد أن ترى مسؤولية بحجم المسؤولية، وقرارًا بحجم الأزمة وحضورًا يطمئنها أن الدولة لم تترك مواطنيها وحدهم في أصعب الأوقات.
فالمسؤولية ليست منصةً للخطابات.
وليست صورةً في افتتاح مشروع.
وليست بيانًا يُقرأ كل ثلاثاء ثم يُنسى.
المسؤولية أن يشعر المواطن، حين تضيق الدنيا، أن هناك من ضاقت عليه قبله لأنه مسؤول عنه.
وأن يشعر، حين تتكاثر الأزمات، أن هناك عقلًا يديرها، لا أنها هي التي تدير الجميع.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لوطن، ليس أن يمر بأزمة…
بل أن يتحول المستقبل فيه إلى ضيفٍ لا يعرف أحد موعد وصوله.
وأن يكبر الأطفال وهم لا يرسمون ما يريدون أن يكونوا…
بل يرسمون ما يتمنون ألا يفقدوه.
هذا الشعب لا يريد المستحيل.
لا يطلب أكثر من حقه في أن يخطط لحياته كما يفعل سائر البشر.
أن يزرع وهو واثق أن موسم الحصاد سيأتي.
أن يعمل وهو واثق أن تعبه لن يبقى معلقًا.
أن يحلم وهو مطمئن أن الحلم ليس ترفًا.
فالإنسان يستطيع أن يقاوم الاحتلال…
ويستطيع أن يقاوم الفقر…
ويستطيع أن يقاوم الحصار…
لكن حتى أشد الشعوب صلابة، تحتاج إلى من يقف معها، لا من يكتفي بمراقبة صمودها والإشادة به.
لأن الأوطان لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدر…
بل بعدد الأحلام التي تنجو.
بقلم:شادي عياد