من صنع هذا الفيديو؟ مايكروسوفت تقود تحالفاً تقنياً لفضح المقاطع المفبركة

السياسي –

في ظل تصاعد موجات التزييف العميق وتنامي قدرته على تضليل الرأي العام، تتحول معركة كشف المحتوى المفبرك إلى ساحة تنافس تكنولوجي وسياسي على حد سواء، ولم يعد السؤال: كيف ننتج محتوى أكثر إقناعاً؟، بل أصبح: كيف نثبت أن ما نشاهده حقيقي بالفعل؟

في هذا السياق، نشرت “مايكروسوفت”، تقريراً جديداً بعنوان “سلامة الوسائط والتحقق من صحتها: الوضع الراهن، والاتجاهات، والمستقبل”، يستعرض أحدث التقنيات القادرة على تتبع مصدر الصور ومقاطع الفيديو والملفات الصوتية، والكشف عما إذا كانت قد خضعت للتلاعب.

من أين جاء المحتوى، ومن عدّله؟

بحسب ما نشرته “بيومتريك”، فإن التقرير يركز على حزمة من الأدوات تُعرف باسم سلامة الوسائط والتحقق من صحتها (MIA)، وتشمل: التحقق الآمن من المصدر (C2PA)، والعلامات المائية غير المرئية، وبصمات التجزئة الناعمة للصور والصوت والفيديو.

 

وتؤكد مايكروسوفت أن كل تقنية تقدم مستوى مختلفاً من الحماية، وتخدم أغراضاً متباينة، سواء في توثيق المصدر، أو في دعم التحقيقات الجنائية الرقمية، أو في استعادة الإشارات الأصلية للمحتوى بعد التلاعب به.

لا حل سحري

توضح جيسيكا يونغ، مديرة سياسات العلوم والتكنولوجيا في مكتب كبير المسؤولين العلميين لدى مايكروسوفت، أن منع جميع الهجمات الرقمية أمر غير واقعي، كما أن بعض المنصات قد تزيل إشارات المصدر أو تتجاهلها.

وترى يونغ أن الحل يكمن في تعزيز المؤشرات الأكثر موثوقية، وتحصينها بإجراءات أمنية قوية، مع توفير أدوات إضافية تدعم أعمال الطب الشرعي الرقمي عند الحاجة.

وتضيف أن التحدي يختلف باختلاف نوع المحتوى: فالصور والصوت والفيديو لكل منها قيود تقنية مختلفة، أما النصوص فتواجه تحديات من نوع آخر أكثر تعقيداً.

تحالف دولي لوضع معايير عالمية قادت مايكروسوفت تحالف التحقق من مصدر المحتوى وأصالته (C2PA) عام 2021، إلى جانب شركات ومؤسسات كبرى مثل “Adobe” و”Arm”، و”BBC”، و”Intel”.

ويهدف التحالف إلى تطوير معايير تقنية موحدة لتوثيق تاريخ المحتوى الرقمي ومصدره، والحد من التضليل والاحتيال الإعلامي في الفضاء الإلكتروني.

على صعيد موازٍ، تتعاون مايكروسوفت مع الحكومة البريطانية في مبادرات لاختبار أدوات كشف التزييف العميق.

وشاركت الشركة في تحدٍ وطني أقيم في يناير (كانون الثاني) الماضي بمشاركة أكثر من 350 خبيراً، بينهم ممثلون عن الإنتربول وتحالف “العيون الخمس” وشركات تكنولوجيا عالمية وكيانات بحثية متخصصة.

وتعمل المملكة المتحدة حالياً على تطوير إطار تقييم وطني يقيس أداء أدوات الكشف في سيناريوهات واقعية، مثل: انتحال الشخصيات، والاحتيال المالي، والصور الجنسية غير الرضائية.

وستُستخدم نتائج هذه الاختبارات السابقة لصياغة معايير تنظيمية جديدة تعزز قدرة المؤسسات على رصد المحتوى المفبرك والحد من مخاطره.

معركة طويلة الأمد

يخلص التقرير إلى حقيقة واضحة: لا توجد تقنية واحدة قادرة على القضاء على الخداع الرقمي بمفردها، فالمعركة ضد التزييف العميق تتطلب مزيجاً من المعايير التقنية، والتشريعات، والتعاون الدولي، وأدوات الطب الشرعي الرقمي.

ومع تسارع أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، تبدو جبهة “التحقق من صحة الوسائط” مرشحة لأن تكون أحد أهم ميادين الصراع التقني في السنوات المقبلة، ليس فقط لحماية السمعة والملكية الفكرية، بل أيضًا لصون الثقة في الحقيقة ذاتها.