بقلم/ نجيب الكمالي
قرأت مقال الزميل الفلسطيني الكاتب والصحفي الأستاذ عمران الخطيب، المعنون «الذكرى المؤلمة لرحيل القائد التاريخي ياسر عرفات.. رمز الثورة الفلسطينية»، المنشور في موقع «صوت القضية»، فوجدتني أعود إلى مرحلة مهمة من تاريخ فلسطين، وإلى رجل ارتبط اسمه بالثورة وقضيتها لعقود طويلة.
لم تكن كلمات عمران مجرد استذكار لرحيل عرفات، بل أعادت أمامي حكاية شعب ظل يدافع عن هويته وحقه في أرضه. عرفات جاب عواصم العالم حاملًا قضيته إلى المنابر الدولية، وعندما وقف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974، حاملًا غصن الزيتون وبندقية الثائر، اختصر حكاية شعب يريد السلام ولا يقبل التخلي عن حقوقه. رحل في الحادي عشر من نوفمبر 2004، لكن فلسطين لم ترحل معه؛ بقيت القضية، واستمرت الأجيال في حملها.
وهنا توقفت عند أمر آخر: فلسطين لم تكن حكاية السياسة وحدها، بل كتب عنها الشعراء، وغنّى لها الفنانون، ووثّق الصحفيون ما يجري، ورفض الكتاب أن تتحول المأساة إلى مشاهد عابرة. فالكلمة تحفظ الحكاية، وتمنع نسيان أصحابها.
ومن غزة أعود إلى عمران الخطيب. ما يلفتني في كتاباته أنه لا يتوقف عند حدود المقال الواحد، بل يتابع ملفات فلسطين من القدس إلى الضفة وغزة، ويتناول الاستيطان والتهجير والاعتداءات. إنه يكتب عن وطنه؛ ففلسطين ليست موضوعًا اختاره للكتابة، بل قضية يحملها في وجدانه ودمه وذاكرته. وهو وإن كان يقيم في عمّان، حيث يواصل أنشطته السياسية والإعلامية، فإن إقامته في المهجر لم تُبعده عن قلب القضية؛ فهو عضو المجلس الوطني الفلسطيني، وأسير سابق اعتُقل بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وأُفرج عنه في صفقة الجليل عام 1985.
في زحام الأسماء التي تُكتب عن فلسطين، يبقى عمران الخطيب اسمًا استثنائيًا؛ لأنه لم يكتب عن فلسطين كما يكتب الآخرون، بل كتبها كما تُكتب الحقيقة: بدم القلب، وذاكرة الأرض، وصدق الانتماء. هو فلسطين — ليس شعارًا، بل حقيقة تتجلى في كل سطر يخطه قلمه. فحين يكتب عن القدس، تكاد ترى أسوارها وأزقتها تتحدث. وحين يكتب عن غزة، تسمع أنفاس الأطفال تحت الركام، وصرخات الأمهات، ووجع البيوت المهدمة.
هو فلسطين — في انتمائه الذي لا يعرف المساومة، وثباته الذي لا تلين له قناة. لم تثنِه قسوة الظروف عن الكتابة، ولم تُسكته آلة الحرب، بل ظل يكتب والحصار يطبق. قلمٌ لا يعرف الصمت، وصحفيٌّ لا يعرف الاستسلام، وضميرٌ لا يعرف المساومة. كل مقالٍ له هو صوتٌ للذين لا يجدون من يسمعهم.
هو فلسطين — في عمق رؤيته وصدق كلمته. يكتب بعقل الصحفي المحترف، وقلب الشاعر المرهف، وذاكرة المؤرخ الأمين. مقالاته ليست أخبارًا عابرة، بل وثائق تُحفظ، وشهادات تُروى، وتاريخ يُكتب بحبر القلب قبل المداد.
هو فلسطين — في حضوره الذي لا يغيب عن أي ملف من ملفاتها: من القدس إلى الضفة، ومن غزة إلى الشتات، ومن الاستيطان إلى التهجير، ومن الاعتقال إلى الحصار. وحين يكتب، لا يضيف مقالًا إلى رفٍّ مزدحم، بل يضيف وعيًا إلى أمةٍ تبحث عن صوتها.
سلامٌ على قلمٍ لم ينكسر، وعلى كاتبٍ لم يبع وطنه بكلمات، وعلى صحفيٍّ جعل من مهنته رسالةً ومن قضيته حياةً. عمران الخطيب ليس كاتبًا كتب عن فلسطين… هو فلسطين التي كتبت نفسها بيديه، وحفظت حكايتها بصوته، وأوصت ذاكرتها لقلمه.
لكن القضية، إلى جانب ما تواجهه من احتلال واستيطان وتهجير، تواجه تحديات داخلية لا يمكن تجاهلها؛ فالانقسام السياسي وأزمة المؤسسات والتمثيل تضع مسؤولية كبيرة أمام القيادات الفلسطينية. وما قدمه الشعب من تضحيات يستحق وحدة الصف، وتوحيد القرار الوطني، وتقديم المصلحة الفلسطينية على الحسابات الفئوية. وهذا أحد الدروس من تجربة عرفات؛ أن الهوية الوطنية والقرار المستقل وجمع الطاقات ليست شعارات للمناسبات، بل قضايا تتصل بمستقبل الشعب وحقه في دولته المستقلة.
قد تتغير الأحداث، وتتبدل عناوين الأخبار، ويغيب قادة وتأتي أجيال جديدة، لكن ما يُكتب بصدق لا يضيع بسهولة. فلسطين لم تنكسر، ما دام شعبها متمسكًا بأرضه وحقوقه، وما دامت هناك أقلام تكتب عنها، وذاكرة تحرس حكايته. وإن كان للكلمة سلاح، فعمران الخطيب من الذين يحسنون حمل هذا السلاح والدفاع به عن الحقيقة.