عمران الخطيب
عن أسماء تُطرح لحكم قطاع غزة، إلى جانب التداول بأسماء أخرى لمرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس (أبو مازن)، العديد من علامات الاستفهام حول طبيعة المرحلة المقبلة ومن يقف خلف هذه الطروحات.
والمفارقة أن معظم الأسماء المتداولة ليست جديدة على المشهد الفلسطيني، بل هي شخصيات شغلت مواقع قيادية في السلطة الفلسطينية، وكان لبعضها دور بارز في تأسيس منظومة التنسيق الأمني مع “إسرائيل”، استنادًا إلى اتفاق أوسلو.
أما الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (أبو عمار)، فقد كان ينظر إلى اتفاق أوسلو باعتباره مرحلة انتقالية تقود إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. رغم عشرات التحفظ للرئيس عرفات على إتفاق إوسلوا ولكن كان يعتبره ضرورة المرحلة، خاصة بعد أن ضاقت عليه الأرض بما رحبت،
وفي الوقت نفسه، كان يدرك أن الاحتلال الإسرائيلي لا يتعامل مع الاتفاق بوصفه طريقًا حقيقيًا للسلام، بل وسيلة لإدارة الصراع بما يخدم مصالحه. لذلك كان يعتبر أن أهم ما تحقق هو نقل مركز الصراع من ساحات اللجوء والشتات إلى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي المقابل، يرى فريق أن العمليات التي نفذتها فصائل المقاومة، وفي مقدمتها حركة حماس، والجهاد الإسلامي وكتائب شهداء الأقصى، كانت سببًا في تعثر تنفيذ اتفاق أوسلو، بينما يرى آخرون أن “إسرائيل” لم تكن تنوي أصلًا تنفيذ استحقاقات الاتفاق، وأنها كانت تبحث عن ذرائع للتنصل من التزاماتها، وهو ما أثبتته التطورات السياسية والميدانية اللاحقة.
وكان الرئيس عرفات مدركًا لتعقيدات المرحلة وأهداف الاحتلال، فعهد إلى جبريل الرجوب بقيادة جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية، وإلى محمد دحلان بقيادة الجهاز في قطاع غزة. إلا أن هذه الترتيبات لم تمنع تصاعد المواجهة مع الاحتلال، خاصة في ظل فقدان الثقة بالسياسات الإسرائيلية، وهو ما انعكس في استمرار عمليات المقاومة المسلحة، رغم صدور بيانات الإدانة الرسمية عقب بعض العمليات، ولا سيما بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد ورفض الرئيس عرفات التنازل عن القدس وحقوق اللاجئين.
كما أن العديد من قيادات فصائل المقاومة تحدثت في مناسبات مختلفة عن الدعم الذي وفره الرئيس أبو عمار للمقاومة الفلسطينية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما انعكس في بروز تشكيلات مقاومة متعددة، أبرزها كتائب شهداء الأقصى، بعد تراجع “إسرائيل” عن تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق أوسلو.
واليوم، تعود بعض الشخصيات التي غادرت قطاع غزة قبل أو بعد أحداث عام 2007 لتطرح نفسها كبديل لإدارة القطاع، ومن بينها محمد دحلان، الذي يقدم نفسه بوصفه قادرًا على قيادة المرحلة المقبلة، مستندًا، بحسب منتقديه، إلى دعم إقليمي ودولي.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن الهدف الحقيقي لا يتمثل في استعادة الوحدة الفلسطينية، بل في تكريس واقع سياسي منفصل في قطاع غزة، بما يؤدي إلى قيام كيان فلسطيني محدود ومنفصل عن الضفة الغربية، وهو ما يعتبرونه خدمة للمشروع “الإسرائيلي.”
كما يشير هؤلاء إلى أن سنوات حكم حركة حماس شهدت تفاهمات متعددة مع” إسرائيل”، من بينها إدخال المنحة القطرية إلى قطاع غزة بموافقة” إسرائيل”، معتبرين أن هذه التفاهمات كرست واقع الانقسام بدلاً من إنهائه.
وفي السياق ذاته، يعتقد أصحاب هذا الرأي أن الحديث المتزايد عن محمد دحلان يأتي بعد قناعة “إسرائيل” بفشل تجربة حكم حركة حماس، وأن الهدف هو إيجاد بديل يحافظ على الواقع القائم ويمنع عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، بما يؤخر استعادة الوحدة السياسية والجغرافية بين الضفة الغربية وقطاع غزة. خاصة بعد الاعتراف بالدولة فلسطين من 160 دولة،
كما يرون أن أي تفاهمات بين حركة حماس والتيار الإصلاحي قد تتضمن ترتيبات تضمن حماية قيادات الحركة والحفاظ على وجودها في القطاع ضمن تفاهمات سياسية وأمنية جديدة.
وفي خضم هذه النقاشات، تظهر مقالات وآراء تروج لعودة محمد دحلان إلى المشهد السياسي في قطاع غزة، إلا أن كثيرين يرون أن هذه الطروحات لا تعكس أولويات الفلسطينيين، الذين يعيشون واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخهم، بعد ما تعرض له القطاع من دمار واسع وخسائر بشرية هائلة.
إن الفلسطيني الذي يعيش اليوم بين أنقاض منزله أو داخل خيمة نزوح لا يشغل باله اسم الحاكم القادم بقدر ما يبحث عن الأمن، ووقف الحرب، وإعادة الإعمار، وتوفير الغذاء والدواء والمأوى، واستعادة الحياة الطبيعية.
فالأولوية الوطنية اليوم يجب أن تكون إنقاذ قطاع غزة، وإنهاء معاناة سكانه، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية، بعيدًا عن صراعات السلطة وحسابات المصالح الضيقة. لبعض الطامحين للسلطة،
تبقى فلسطين أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وسيظل شعبها هو صاحب الحق الأول في تقرير مستقبله وصون وحدته الوطنية.
تحيا فلسطين، وشعبها الصامد.
عمران الخطيب