كم هو موجع أن تفتح مكتبتك، فتجد محمود درويش… ولا تجد وريثًا له.
وأن تقرأ غسان كنفاني للمرة الألف… ثم تبحث عبثًا عن غسان جديد.
وأن تبكي مع فدوى طوقان… ثم تكتشف أن صوتًا مثل صوتها لم يعد يصل إلى الناس.
وأن تتأمل خطوط ناجي العلي… ثم تسأل نفسك: لماذا لم يعد حنظلة يكبر؟ ولماذا لم يولد رسام آخر يحمل وجعه؟
هل تعبت فلسطين؟
أم تعبنا نحن منها؟
هل جفّت الأرحام التي أنجبت محمود، درويش وغسان كنفاني، وفدوى طوقان، وسميح القاسم، وإبراهيم طوقان، ومعين بسيسو، وإميل حبيبي ،وكمال ناصر، وإدوارد سعيد، وجبرا إبراهيم جبرا، وتوفيق زياد، وهارون هاشم رشيد، وأبا سلمى وغيرهم من الرجال والنساء الذين لم يكونوا مجرد أسماء، بل علامات مضيئة في تاريخ شعب كامل؟
أم أن الأرحام ما زالت تنجب…
لكن العقول لم تعد تعرف كيف تحتضن أبناءها؟
كم طفل فلسطيني يحمل اليوم قلب شاعر…
ثم يموت شعره على مقعد الدراسة؟
وكم فتاة تحمل روح فدوى طوقان…
ثم تخاف أن ترفع صوتها؟
وكم شاب يكتب في الليل رواية قد تغيّر وجدان أمة…
ثم يمزقها في الصباح لأنه لم يجد من يقول له: أكمل.
وكم رسامًا ماتت ريشته قبل أن تموت يداه؟
وكم مفكرًا اختار الصمت لأن الضجيج صار أعلى من الحقيقة؟
وكم باحثًا دفن مشروعه العلمي في درج مكتبه، لأنه أدرك أن الطريق إلى الاعتراف لا يمر دائمًا عبر الكفاءة؟
وكم موهبة خرجت من هذا الوطن، لا لأنها كرهته…
بل لأنها لم تجد فيه نافذةً تتنفس منها؟
يا فلسطين…
أأنتِ التي كنتِ تُهدين للعرب قاماتٍ من الشعر والفكر والرواية والفن والسياسة والثقافة؟
أأنتِ التي كان اسمك يقترن بدرويش وكنفاني وفدوى وسميح وناجي وإدوارد وجبرا وإميل وتوفيق وأبي سلمى وهارون؟
فما الذي تبدّل؟
من الذي أقنعنا أن المبدع خطر؟
ومن الذي جعل صاحب الفكرة يمشي معتذرًا، بينما يمشي الفارغ مزهوًا؟
ومن الذي علّمنا أن نصفق لمن يشبهنا، ونقصي من يتجاوزنا؟
ومن الذي أقنعنا أن الواسطة أهم من الموهبة، وأن الولاء أهم من الكفاءة، وأن الصمت أكثر أمانًا من الحقيقة؟
أليس مؤلمًا…
أننا نحفظ قصائد محمود درويش أكثر مما نحفظ أسماء الشعراء الشباب؟
وأن نعلّق رسومات ناجي العلي على الجدران، بينما لا نلتفت إلى الرسام الذي يجلس في آخر القاعة؟
وأن نتغنى بغسان كنفاني، لكننا لا نقرأ لمن يكتب اليوم؟
وأن نتباهى بتاريخنا الثقافي، بينما نعجز عن صناعة مستقبل ثقافي يليق بهذا التاريخ؟
ربما لم تتوقف فلسطين عن إنجاب العظماء…
ربما ما زالت تلدهم كل صباح…
لكننا أصبحنا نفقدهم قبل أن نعرف أسماءهم.
بعضهم يسافر.
وبعضهم يصمت.
وبعضهم ينكسر.
وبعضهم يموت وهو يظن أن موهبته لم تكن تستحق الحياة.
كفى…
كفى أن نبقى أمةً تتقن صناعة الجنازات أكثر من صناعة العظماء.
كفى أن ننتظر موت المبدع لنكتشف أنه كان كنزًا.
كفى أن نرفع صوره بعد رحيله، بينما تركناه وحيدًا في حياته.
عارٌ علينا أن نحفظ قصائد درويش، ولا نحفظ أسماء الشعراء الذين يكتبون اليوم.
وعارٌ علينا أن نبكي كنفاني، بينما نغلق الأبواب في وجه كل غسان جديد.
وعارٌ علينا أن نتغنى بفدوى طوقان، ثم نكسر أقلام الفتيات اللواتي يحملن روحها.
إذا أردنا أن نكرّم محمود درويش، فلا تضعوا وردةً على قبره…
اصنعوا شاعرًا.
وإذا أردنا أن نفي غسان كنفاني حقه، فلا تكتفوا بإعادة طباعة كتبه…
احموا الكاتب الذي يكتب الآن.
وإذا أردنا أن ننصف ناجي العلي، فلا تعلقوا رسوماته على الجدران…
اتركوا الريشة الحرة تعيش.
فالأوطان لا تُقاس بعدد شهدائها فقط…
ولا بعدد بياناتها…
ولا بعدد احتفالاتها…
بل بعدد العقول التي تحميها، والأقلام التي تؤمن بها، والمواهب التي تفتح لها الطريق.
وإن بقي الفلسطيني المبدع يقاتل وحده…
ويُقصى وحده…
ويُهمَّش وحده…
ويُدفن حلمه كل يوم…
فلا تسألوا غدًا:
لماذا لم يولد محمود درويش جديد؟
ولا تقولوا إن الزمن لم يعد يُنجب غسان كنفاني، أو فدوى طوقان، أو ناجي العلي.
بل انظروا في المرآة…
واسألوا أنفسكم بشجاعة:
كم محمود درويش خنقناه قبل أن يكتب قصيدته الأولى؟
وكم غسان كنفاني أطفأنا صوته قبل أن يكتب روايته الأولى؟
وكم ناجي العلي كسرنا ريشته قبل أن يرسم حنظلة جديدًا؟
وكم فدوى طوقان أسكتناها قبل أن تكتب أول بيت شعر؟
فالمأساة ليست أن العمالقة رحلوا…
المأساة أننا قد نكون نحن الذين نمنع العمالقة القادمين من أن يولدوا.