نبوءات آخر الزمان….

بقلم : المحللة السياسية د. تمارا حداد.

قد تبدو المواجهة الإيرانية-الأمريكية، في ظاهرها، صراعا ذا أهداف استراتيجية تقليدية، يتمثل أبرزها في سعي الولايات المتحدة إلى تعزيز السيطرة على مضيق هرمز والتحكم بممرات الطاقة العالمية، بما يسمح لها بالضغط على الصين وإضعافها اقتصاديا، ضمن معادلة جيوسياسية مفادها أن من يسيطر على المضائق ومنافذ العبور يتحكم بموازين القوة في العالم. كما ترتبط هذه المواجهة، وفق بعض القراءات، بأهداف داخلية أمريكية تتصل بإدارة أسعار الطاقة وتوظيفها سياسيا واقتصاديا في التوقيت الذي يخدم المصالح الأمريكية.

أما الهدف الإسرائيلي، فيتمثل في تحقيق حسم أمني وعسكري يفضي إلى إنهاء مصادر التهديد القادمة من النظام الإيراني، وتقويض نفوذ الحرس الثوري وأذرع إيران الإقليمية، بما يتيح إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بصورة تقلص أي قوة قد تعيق المشروع الاستراتيجي الإسرائيلي في المنطقة.

غير أن قراءة أعمق للمشهد، من زاوية العقائد الأيديولوجية الدينية، تكشف بعدا آخر للصراع وهو أن المواجهة تحمل طابعا دينيا غير معلن، بينما يشكل الغطاء الظاهر لها إطارا طاقويا وأمنيا وعسكريا وسياسيا.

تبدأ هذه القراءة بما يُعرف بالمدرسة التدبيرية الإنجيلية، التي تلتقي في بعض تصوراتها مع تيارات متشددة داخل حزب الليكود الإسرائيلي، حيث يُنظر إلى استمرار المواجهة مع إيران باعتباره جزءا من مسار عقائدي أوسع. ووفق هذا التصور، فإن بعض التيارات الإنجيلية البروتستانتية المؤثرة في السياسة الأمريكية تؤمن بأن أحداث الشرق الأوسط تمهد لمرحلة دينية كبرى مرتبطة بعودة المسيح.

وتتعامل هذه التيارات مع مفهوم «الملك الألفي» باعتباره مرحلة مستقبلية تقوم على نزول المسيح وبناء الهيكل في القدس، وهو اعتقاد يحظى بتأثير واسع داخل الأوساط الإنجيلية في الغرب، حيث يقدَّر عدد المؤمنين بهذه الرؤية بعشرات الملايين ويقدر 250 مليون فرد حول العالم.

في المقابل، يرتبط بناء الهيكل في بعض المعتقدات اليهودية بمسألة «الطهارة الدينية»، إذ تشير بعض التفسيرات الفقهية إلى ضرورة استخدام رماد البقرة الحمراء للتطهر من نجاسة الموتى، وهو ما يفسر اهتمام جماعات دينية يهودية بإحياء هذه الطقوس قبل أي تغيير ديني كبير في موقع المسجد الأقصى.

وتربط قراءات دينية أخرى بين هذه الأحداث ونبوءات وردت في أسفار توراتية مثل سفر حزقيال 38، التي تتحدث عن تحالفات كبرى وصراعات عالمية تسبق مرحلة الخلاص الديني، حيث تُفسَّر بعض النصوص على أنها تشير إلى تحالفات دولية تشمل قوى كبرى في مواجهة إسرائيل.

كما تشير تفسيرات دينية لسفر أشعياء إلى اضطرابات اقتصادية عالمية وأزمات في الماء والغذاء والطاقة، يُعتقد أنها قد تشغل العالم عن تحولات كبرى تجري في الشرق الأوسط، بما يسمح بفرض واقع سياسي وديني جديد.

وبحسب هذه الرؤى العقائدية، فإن الصراع الإيراني-الأمريكي قد يمتد لفترة طويلة تتخللها هدن مؤقتة، تترافق مع تغيرات تدريجية في موازين القوى الإقليمية، وصولا إلى مرحلة إعادة تشكيل النظام الإقليمي بعد إضعاف إيران عسكريًا وسياسيًا.

ورغم أن القراءة السياسية الواقعية ترى أن جذور المواجهة تعود أساسا إلى اعتبارات أمنية واستراتيجية وطاقوية، فإن التفسير الديني لدى بعض التيارات يعتبرها صراعا وجوديا ذا أبعاد عقائدية، قد يتكرر على شكل موجات من التصعيد والتهدئة قبل الوصول إلى لحظة حاسمة ترتبط بظهور الشخصيات المنتظرة دينيا، كلٌّ وفق منظوره العقائدي سواء في الرؤية الإسرائيلية أو الإيرانية.

وفي النهاية، يبقى المشهد مفتوحا على قراءات متعددة بين تحليل سياسي واقعي يفسر الصراع بمنطق المصالح، وقراءة عقائدية ترى فيه مسارا تاريخيا يتجاوز السياسة نحو تصورات دينية عن نهاية الأزمنة — وهي مفارقة تعكس تعقيد الشرق الأوسط حيث تتداخل الجغرافيا مع العقيدة، والسياسة مع النبوءة.