نتنياهو على طريق الانتحار السياسي

السياسي – بينما تتسع رقعة المعارضة له داخل دولة الاحتلال وخارجها، يصر رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على المضي قدماً في حربه على قطاع غزة، متجاهلاً التحذيرات الدولية والاحتجاجات الشعبية والمخاطر السياسية التي تهدد مستقبله.

واعتبرت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية أن إصرار نتنياهو على ما يسميه “إنهاء المهمة” في غزة، رغم التكلفة البشرية والسياسية الهائلة، يكشف عن مسار تصادمي قد ينتهي باحتراقه السياسي الكامل.

في مؤتمر صحفي بالقدس المحتلة، أعاد نتنياهو تأكيد نيته المضي في العملية العسكرية في غزة حتى “تحقيق أهدافها”، متجاهلاً معارضة قطاعات واسعة من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بينهم كبار الضباط ورئيس الأركان نفسه.

كما أدار ظهره لموجة الغضب الشعبي التي تعم المدن الإسرائيلية، والتي تقودها عائلات الأسرى في غزة المطالبين بوقف الحرب وإيجاد حل لإعادتهم.

هذا الإصرار يأتي في وقت تتقلص فيه شبكة دعم نتنياهو الدولية. آخر صفعة جاءت من برلين، حيث أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس – المعروف سابقاً بتحالفه الشديد مع تل أبيب – تعليق مبيعات الأسلحة التي يمكن استخدامها في غزة، احتجاجاً على سياسات الحكومة الإسرائيلية.

-عزلة دبلوماسية متسارعة

قرارات مثل الموقف الألماني ليست سوى أحدث حلقة في سلسلة انتقادات وعقوبات دبلوماسية تواجهها دولة الاحتلال منذ بدء الحرب.

عدد من قادة العالم الذين كانوا حتى وقت قريب يدعمون أو يغضون الطرف عن سياسات نتنياهو، أصبحوا اليوم من أبرز منتقديه، محذرين من تداعيات الهجوم على غزة على الاستقرار الإقليمي.

مجلس الأمن الدولي عقد جلسة طارئة لمناقشة الوضع، وسط مخاوف من أن يؤدي التصعيد في مدينة غزة إلى انفجار أكبر في المنطقة.

في هذه الأثناء، يواصل نتنياهو خطابه التصعيدي، مهاجماً وسائل الإعلام الأجنبية وواصفاً تقاريرها بـ”الأخبار الكاذبة”، في تكرار لأسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مواجهة النقد الدولي.

-غزة… الكلفة الإنسانية للحرب

في ظل الحصار الخانق والقصف المستمر، يواجه مليونا فلسطيني في القطاع وضعاً إنسانياً كارثياً.

وتؤكد تقارير الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة أن خطر المجاعة يهدد حياة مئات الآلاف، بينما تواصل العمليات العسكرية استهداف البنية التحتية المدنية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس ومرافق المياه.

وعليه فإن سياسة نتنياهو الحالية لا تعرض فقط حياة المدنيين في غزة للخطر، بل تهدد أيضاً حياة الأسرى الإسرائيليين، إذ يعرّضهم استمرار القتال لمزيد من المخاطر ويعقّد فرص الإفراج عنهم عبر المسار التفاوضي.

-تآكل الشعبية في الداخل

شعبية نتنياهو في دولة الاحتلال وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات، خاصة بين عائلات الأسرى، وفي أوساط من يرون أن الحرب استنزفت الجيش والاقتصاد دون تحقيق أهداف ملموسة.

والاحتجاجات الواسعة التي تشهدها المدن الإسرائيلية لم تعد تقتصر على المعارضين التقليديين، بل انضم إليها أفراد من معسكر اليمين، وحتى بعض من خدموا في حكوماته السابقة.

هذا التراجع الشعبي يوازيه شرخ متنامٍ مع المؤسسة الأمنية، حيث تشير تقارير إلى وجود خلافات حادة بين نتنياهو ورئيس الأركان حول جدوى استمرار الهجوم، في ظل الخسائر البشرية الإسرائيلية والضغوط الدولية المتزايدة.

-رهان على البقاء بأي ثمن

يرى مراقبون أن نتنياهو يتصرف من منطلق شخصي، مدفوعاً بهاجس البقاء في السلطة وتجنب المساءلة، خاصة مع استمرار المطالبات الدولية بمحاكمته بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.

هذه الحسابات الشخصية، وفق محللين، تدفعه إلى اتباع سياسة “الهروب إلى الأمام” حتى لو كان الثمن تدمير ما تبقى من سمعة (إسرائيل) الدولية، وتوسيع رقعة العزلة السياسية والاقتصادية.

وإصرار نتنياهو على مسار الحرب، مع رفضه لأي مبادرات تهدئة أو وقف إطلاق نار، يضعه في مواجهة مسارين لا ثالث لهما: إما الانسحاب تحت ضغط دولي وشعبي متزايد، أو الاستمرار حتى ينهار الدعم الداخلي والخارجي بالكامل، ما قد يسرّع من نهاية مسيرته السياسية.

وخلصت صحيفة ليبراسيون إلى أن نتنياهو “المسكون بجنونه الحربي” يسير بخطى ثابتة نحو الاحتراق السياسي، بعد أن عزل دولة الاحتلال عن العالم، وورطها في كارثة إنسانية وسياسية غير مسبوقة.

وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن سؤال “متى” ستنتهي مسيرته، وليس “هل” ستنتهي، بات مطروحاً بقوة على الساحة الإسرائيلية والدولية.

وإذا استمر نتنياهو في هذا الطريق، فإن نهاية مسيرته لن تكون مجرد سقوط سياسي عادي، بل ستكون انهياراً مدوياً، يحمل معه إرثاً ثقيلاً من الدماء والدمار، ويترك (إسرائيل) في عزلة غير مسبوقة في تاريخها الحديث.