جاري التحميل...

نتنياهو وآيزنكوت وترامب: صراع الانتخابات ومستقبل غزة ومخاطر فرض الوقائع

بقلم الدكتورة تمارا حداد

يدخل المشهد السياسي الإسرائيلي مرحلة حساسة تتداخل فيها الحسابات الانتخابية مع الاعتبارات الأمنية، في ظل الدعم الأميركي الذي يحظى به بنيامين نتنياهو، وصعود منافسين من المعارضة، وتصاعد التصريحات اليمينية الداعية إلى فرض وقائع جديدة في قطاع غزة والضفة الغربية. ولا يمكن قراءة هذه التطورات باعتبارها منافسة على رئاسة الحكومة فحسب، بل بوصفها صراعاً على شكل إسرائيل المقبل، وطبيعة علاقتها بالولايات المتحدة، ومستقبل القضية الفلسطينية.

إن دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب لنتنياهو قبل الانتخابات يحمل دلالات سياسية واضحة، إذ يمنح رئيس الحكومة الإسرائيلية فرصة لتقديم نفسه باعتباره الشريك الأكثر قدرة على إدارة العلاقة مع واشنطن والتأثير في القرارات الإقليمية. كما يسعى نتنياهو إلى توظيف هذا الدعم داخلياً لإظهار أن سياساته الأمنية والعسكرية تحظى بغطاء أميركي، وأنه قادر على تحقيق مكاسب لا يستطيع منافسوه ضمانها.

لكن هذا الدعم لا يعني بالضرورة ضمان فوز نتنياهو؛ فالناخب الإسرائيلي لا يحدد خياراته بناءً على العلاقة مع واشنطن وحدها، وإنما يتأثر أيضاً بأداء الحكومة، والملفات الأمنية، وإدارة الحرب، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ولذلك، قد يمنح الدعم الأميركي نتنياهو دفعة سياسية، لكنه لن يعوض بالضرورة تراجع الثقة الداخلية إذا استمر الشعور بالإخفاق في تحقيق الأهداف المعلنة.

أما ما يُتداول بشأن تفاهمات أميركية وإسرائيلية حول إعادة إعمار غزة، فينبغي التعامل معه بحذر، والتمييز بين التصريحات السياسية والتفاهمات الملزمة التي تتضمن آليات تنفيذ واضحة. فالإعمار ليس مجرد مشروع اقتصادي أو إنساني، بل يرتبط بقضايا الانسحاب الإسرائيلي، وفتح المعابر، وإدخال مواد البناء، وإدارة القطاع، وضمان وصول المساعدات إلى السكان. وإذا استُخدم الإعمار أداةً لفرض شروط سياسية أو لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والإداري في غزة، فإنه سيفقد جوهره الإنساني ويتحول إلى وسيلة ضغط على الفلسطينيين.

وفي موازاة ذلك، تبرز المنافسة بين نتنياهو وشخصيات من المعارضة، من بينها غادي آيزنكوت، في ظل ما تعكسه بعض استطلاعات الرأي من تراجع في موقع نتنياهو أو تنامي فرص منافسيه. ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار الاستطلاعات حكماً نهائياً على نتائج الانتخابات، لأنها تتغير وفق التطورات الأمنية والسياسية، وقدرة المعارضة على توحيد صفوفها وتقديم بديل مقنع.

ويعكس تقدم آيزنكوت، إذا استمر في الاستطلاعات، بحث قطاعات من المجتمع الإسرائيلي عن قيادة مختلفة، تمتلك خلفية أمنية، وتستطيع تقديم صورة أكثر انضباطاً في إدارة الدولة. فالتراجع المحتمل لنتنياهو لا يرتبط حصراً بأدائه الحكومي، ولا بالاعتبارات الأمنية وحدها، بل بتراكم الأزمات، وتضارب الوعود مع النتائج، وتزايد الشكوك بشأن قدرته على تحقيق الاستقرار. كما أن خلفية آيزنكوت العسكرية قد تمنحه ميزة لدى بعض الناخبين، لكنها لا تكفي وحدها لبناء مشروع سياسي متكامل.

أما بشأن غزة، فلا يعني تغير القيادة الإسرائيلية بالضرورة حدوث تحول جوهري في السياسة تجاه الفلسطينيين. فقد تختلف المعارضة مع نتنياهو في أسلوب إدارة الحرب، أو في العلاقة مع واشنطن، أو في حسابات التفاوض، لكنها قد تلتقي معه في أهداف أمنية أساسية، مثل منع تعاظم القدرات العسكرية للفصائل الفلسطينية. ويظل الاختبار الحقيقي لأي بديل سياسي هو مدى استعداده للاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، ووقف التوسع الاستيطاني، وفتح مسار سياسي ينهي الاحتلال، بدلاً من الاكتفاء بتغيير الأساليب مع الإبقاء على السياسات ذاتها.

وفي هذا السياق، تحمل تصريحات بتسلئيل سموتريتش، التي تنكر الهوية الوطنية الفلسطينية أو تدعو إلى رحيل سكان غزة، دلالات تتجاوز الخطاب الانتخابي. فهي تعكس اتجاهاً أيديولوجياً يسعى إلى تحويل التفوق العسكري إلى واقع سياسي وديمغرافي دائم، عبر التضييق على الفلسطينيين، وتقويض فرص قيام دولتهم، وتعزيز السيطرة على الأرض.

إن الدعوة إلى تهجير سكان غزة لا يمكن فصلها عن مخاطر التهجير القسري، وما يترتب عليه من انتهاكات للقانون الدولي الإنساني. كما أن إنكار الهوية الفلسطينية لا يلغي حقيقة وجود شعب له حقوق وطنية وتاريخية، بل يعمق الصراع ويضعف فرص التسوية. وفي الضفة الغربية، تتكامل هذه المخاطر مع الاستيطان ومصادرة الأراضي واعتداءات المستوطنين ومحاولات تقويض الجغرافيا الفلسطينية.

في المحصلة، قد يمنح دعم ترامب نتنياهو أفضلية مؤقتة، وقد تعيد استطلاعات الرأي رسم موازين المنافسة، لكن مستقبل المنطقة لن يتحدد بأسماء المتنافسين وحدها. فالمعيار الأساسي هو ما إذا كانت السياسة الإسرائيلية ستواصل إدارة الصراع وفرض الوقائع بالقوة، أم ستواجه ضرورة الانتقال إلى تسوية عادلة تعترف بالحقوق الفلسطينية. أما إعادة إعمار غزة، فيجب أن تكون مدخلاً لاستعادة الحياة والكرامة، لا وسيلة لإعادة إنتاج الحرب أو فرض التهجير وتصفية القضية الفلسطينية.