نخوة

قصة قصيرة حقيقية بقلم عصري فياض

الانتقال من وظيفة عامل النفايات إلى وظيفة آذن مدرسة تحت لافتة وكالة الغوث في نفس المخيّم لا تعني الكثير من التغيير في نمط الحياة عند البسطاء،ومن رأس مالهم حبُّ الناس،والدعوة الدائمة للخير لهم،محمد لحلوح “أبو المجد”، يبتسم ويخلق الابتسامة أينما ذهب،وحيثما حَلّْ،في ذلك اليوم،وأثناء عمله كآذن في مدرسة الوكالة في مخيَّم جنين،شعر بالتعب،وتناوب عليه الإحساس بالبرد والحرارة دون مقدمات،للوهلة الأولى ظنَّ أنها بداية “فلونزا”، لكنه عندما عاد إلى البيت،تفاقمت هذه العوارض،ورافقها اصفرار حاد في العنيين،ودوار في الرأس،فقرر الذهاب للمشفى للفحص والعلاج،ولما وصل،وأخذ دوره في الفحص والتشخيص،وضِعَ تحت المراقبة والمتابعة،وعُلِّقت له وحدة من الدم لتغذي شرايينه.
إبن مخيَّمه الدكتور المناوب شكَّ بوجد شيء ما،لكن الطبيب المعالج تأنى على الحالة،فأرسل له ممرض متدرب ليحقنه بإبرة في ساعده الأيسر،فبدأت يده تتورم بإطراد حتى كادت أن تتمزق،إنتبه إليها زميله في غرفة المشفى،فاستدعوا الطبيب،فقام بالفحص مرة أخرى…وربط بين الحالة المجهولة وحالة التورم،فقرر نقله فورا إلى نابلس
*
خفت به سيارة الإسعاف برفقة أشقاءه وبعض أصدقاءه الى مشفى نابلس التخصصي،هناك خضع لفحوصات شاملة،بدأت بعلاج تورم اليد الغريب،البروفسور رياض عامر أخصائي أمراض الدم،خلص لنتيجة مفادها إصابة الحلوح بتكسر شديد وعنيف في الدم،ونقصان قوته إلى الحد الادني،حيث وصلت ما بين ثلاثة ونصف إلى أربع درجات،وهذا بحد ذاته يشكل خطر شديد،البلازما تتدمر بشكل غريب،قال لشقيقه نظمي :-
اسمع نحن الآن سريعا وعاجلا بحاجة إلى ثلاثماية وحدة دم وعشرات وحدات البلازما من أجل انقاذ حياته…صدم نظمي من هول الطلب،ونزل درج الطابق العلوي ليصلي العصر،وأخذ ينتحب ويرفع يده إلى السماء.. يناجي ربه ويقول:-
يا رب ساعدني،لا استطيع أن أتحمَّل هذا الاختبار…
بينما سارع أصدقاءه وباقي أشقاءه إلى المخيّم لإطلاق نداءات الاستغاثة بالأجيال الشابة للتبرع بالدم،إنطلق نظمي للاتصال بجميع المشافي للحصول على أكياس البلازما،وما هي إلا ساعتين وإلا طوابق المشفى التخصصي الاربعة تغص بمئات المتبرعين الذين خفوا من المخيَّم…وعندما توفرت الوجبات الأولى الضرورية والعاجلة،أمر البروفسور بإنزاله فورا إلى قسم العلميات،لتبدأ عملية ضخ الدم والبلازما في شراينه…
اخذ الدكتور رياض شقيقه نظمي جانبا للتوقيع على أوراق العملية،وقال له قبل أن توقع هناك ثلاث احتمالات لا بد من معرفتها :-
أولا :- نسبة الوفاة 99%… ونسبة الشلل 80 % في حال عدم حدوث وفاة. ونسبة الغيبوبة 70% في حال عدم حدوث وفاة أو شلل…
مع ذلك،وقع نظمي على العملية،فشرع بها الدكتور رياض والدكتور الثاني المختص فورا،ومع تواصل تدفق وحدات الدم،واستجابة جسم المريض محمد للدم والبلازما واستفاقته من غيبوبته،قرر الدكتور المغامرة مرة أخرى بعملية ضخ دم جديد لإيقاف عملية التكسر،وفقدان البلازما المتواصلة،أحد الأطباء امسك يد نظمي بيده وقال له :- ما هو وضعكم في المخيّم حتى تهب هذه الأعداد الهائلة التي تملأ المشفى لنجدتكم؟؟ ماذا يعمل أخوك؟؟
رد نظمي :- أخي كان عامل نظافة وألان آذن مدرسة،ورأس مالنا احترام الناس.
أفاق لحلوح من العلمية بعد أربع ساعات،تكلم وحرّك أعضاءه وتذكر من حوله… لقد نجحت العملية ونجا من الإخطار..لكنه بقيَ في صراع مع تثبيت نسبة الهمكلوبين،حيث لا زال بحاجة لمئات الوحدات من الدم على مدى الأيام القادمة…فقرر المشفى إرسال طواقم سحب الدم إلى مخيَّم جنين،إلى مقر مركز الشبــاب الاجتماعـي( نادي المخيَّم) لحث الناس على التبرع،فهرع المئات من شباب ورجال ونساء،وتطوَّع العشرات في رفد المحتشدين بالعصائر والماء وشراء الاكياس واللوازم الخاصة،وفي اليوم التالي كان التبرع في سيلة الحارثية والجامعة العربية الأمريكية ومخيَّم بلاطة وعسكر حتى توقف تكسر الهموجلومبين،وثبت الأمر واستقر في الشرايين بعد نحو ثلاثين يوما،وبعد أن اخذ يتناول العسل الحر الممزوج مع حليب الماعز،فخرج من المشفى وغادر للأردن،وهناك أمضي ثلاثة عشر يوما وعاد،ليستقر به الحال،لكن الحالة الصحية عادت وانتكست بعد أسبوعين،فعاود الذهاب لمشفى نابلس التخصصي،وقدمت له مئتين وستين وحدة دم وبلازما ، وعاد وشفي.

بعد أسابيع من هذه الحادثة،وفي ليلة ظلماء دامية اقتحمت المخيّم قوات من جيش الاحتلال،فحصلت مواجهات كان إبنه البكر أمجد في مقدمة من يتصدون للمحتل،رصاصة من قناص أصابت قلبه،فارتقى شهيدا،كان حزنه على نجله شديدا،أدى في اليوم الثاني بعد الدفن لعودة الحالة الصحية للانتكاسة مرة أخرى،فنقل للمشفى النابلسي وعادت حملة التبرع له من المخيَّم من جديد،وشفيّ وعاد إلى حياته.
*
في الغرفة المجاورة لإقامة اللحلوح في مشفى نابلس،كان هناك مريض ذا جاه، تأتيه الهدايا والميزات من كل جانب،تسلل ذات يوم لغرفة أبو مجد،وسأله عن مكانته فقال له أبو مجد : –
عامل بسيط …عامل نفايات وآذن مدرسة…
خجل ذلك الرجل فأعتذر وانسحب
كان أبو المجد يساعد المرضى في كل شيء حتى في استحمامهم… ولما عاد إلى بيته فوجئ بقرار وكالة الغوث بتوقيف خداماته،وصرف اتعابة ومستحقاته التي بلغت (48 ألف دولار) جاءه كثيرون يقترضون منه.. يقول لم يبقى معي ألان منها ولا فلس،كلُّها بين أيدي الناس،الذين وقفوا معي وساهموا بعد الله في شفائي واستعادت عافيتي،وكان من الواجب أن أقف معهم.