لم يعد مشروع الاحتلال الإسرائيلي المسمّى زورًا «نسيج الحياة» مجرد مخطط بنية تحتية أو إجراء مروري، بل بات عنوانًا صريحًا لمرحلة جديدة من الضم الزاحف، تستهدف ما تبقى من الجغرافيا الفلسطينية في محيط القدس، وتوجه ضربة شبه قاضية لإمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.
إخطار سلطات الاحتلال الرسمي بمحامية التجمعات البدوية وبلدية العيزرية ببدء التنفيذ الفعلي للمشروع خلال مهلة 45 يومًا، يؤكد أن إسرائيل انتقلت من مرحلة التخطيط إلى مرحلة الفرض بالقوة، في استخفاف واضح بالقانون الدولي، وبالتحذيرات المتكررة من خطورة العبث بمنطقة E1، التي تشكل العقدة الجغرافية الأهم في الضفة الغربية.
ربط المستوطنات وفصل الفلسطينيين
جوهر المشروع يتمثل في تحقيق تواصل استيطاني كامل بين مستوطنة «معالي أدوميم» والقدس المحتلة، مقابل قطع التواصل الفلسطيني بين شمال الضفة وجنوبها. وبذلك، لا تبتلع إسرائيل نحو 3% من مساحة الضفة الغربية فحسب، بل تعيد رسم الخريطة السياسية على الأرض بما ينسف عمليًا أي تصور لدولة فلسطينية ذات سيادة.
الحديث هنا لا يدور عن طريق، بل عن حدٍّ فاصل جديد، غير معلن، لكنه أكثر فاعلية من الجدران والأسلاك، لأنه يُنتج واقعًا دائمًا يصعب التراجع عنه.
أبارتهايد مروري بلا أقنعة
أخطر ما في المشروع أنه يُكرّس نظام فصل عنصري مروري مكتمل الأركان. فالفلسطينيون سيُمنعون من استخدام الطريق الدولي رقم (1)، أحد الشرايين الحيوية في الضفة الغربية، ويُجبرون على المرور عبر نفق تحت الأرض قرب حاجز الزعيم، بينما يُخصص الطريق السطحي الواسع والآمن للمستوطنين فقط.
هذا ليس إجراءً أمنيًا، ولا حلًا تقنيًا، بل سياسة إقصاء ممنهجة تقوم على مبدأ: مستوطن فوق الأرض، وفلسطيني تحتها. وهو تجسيد حرفي لعقيدة الأبارتهايد التي لم تعد إسرائيل تحاول حتى إنكارها.
تهجير صامت للتجمعات البدوية
المشروع يفتح الباب واسعًا أمام تهجير قسري مقنّع للتجمعات الفلسطينية في جبل البابا، ووادي الجمل، وبلدة العيزرية. فقد تلقى السكان عشرات الإخطارات، في تمهيد واضح لهدم المنشآت وإفراغ المنطقة من أهلها، ضمن سياسة “الضغط المتدرج” التي تعتمدها سلطات الاحتلال لتجنب الضجيج الإعلامي، وتحقيق الهدف بأقل كلفة سياسية.
إنها نكبة بطيئة تُنفَّذ بالجرافة تارة، وبالأوامر العسكرية تارة أخرى، وبالخرائط الهندسية دائمًا.
سرقة المال لتمويل الاستيطان
ولا يقل خطورة عن ذلك إقرار وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش تمويل المشروع من أموال المقاصة الفلسطينية المحتجزة، في سابقة فاضحة تعكس عقلية استعمارية عارية:
سرقة أموال الشعب الواقع تحت الاحتلال، ثم استخدامها لتمويل مشروع يهدف إلى خنق هذا الشعب وعزل مدنه وقراه.
أما الادعاء بأن الطريق يخدم الفلسطينيين، فيسقط أمام أول نظرة إلى المخططات المرفقة، التي توضح بجلاء أن الهدف الحقيقي هو تسهيل حركة المستوطنين وإزالة أي عائق أمام تمددهم، حتى لو كان الثمن تفكيك المجتمع الفلسطيني وابتلاع أرضه.
اختبار للمجتمع الدولي
مشروع «نسيج الحياة» ليس تهديدًا فلسطينيًا داخليًا فحسب، بل اختبار صارخ لإرادة المجتمع الدولي. فإما أن تبقى المواقف حبيسة بيانات القلق، أو أن يُتخذ موقف فعلي يضع حدًا لسياسات الضم والتطهير العرقي التي تُنفَّذ اليوم على مرأى العالم.
القدس لا تُخنق دفعة واحدة، بل عبر مشاريع كهذه، تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها سياسية بامتياز في جوهرها. ومن يتغاضى اليوم عن طريق، سيجد نفسه غدًا أمام خريطة جديدة بلا فلسطين








