لأكثر من نصف قرن بدا الشرق الأوسط كمنطقة تجاذب، وتصارع، بين إسرائيل وإيران، بحكم طبيعة كل منهما، ورؤيته لذاته، ولمكانته، ودوره، في هذا الإقليم، وفي العالم، ففي حين بدت إسرائيل باعتبارها الأكثر فاعلية في تشكيل الشرق الأوسط، في فترة ما بعد حرب حزيران (يونيو 1967)، فإن إيران أخذت هذا الدور في ما بعد غزو الولايات المتحدة للعراق (2003)، وتسليمها إياه، على بياض، أو على طبق من فضة، عبر الميلشيات الطائفية المسلحة، التي تشتغل كأذرع إقليمية لها في المنطقة، ما جعلها بمثابة الطرف الإقليمي المهيمن في منطقة المشرق العربي، من إيران إلى لبنان.
بيد إن تلك المعادلة لم تكن لتستمر لولا محاولة الولايات المتحدة (وإسرائيل إلى حد ما) الاستثمار في سياسات إيران، وطموحها الإقليمي للهيمنة في الشرق الأوسط، عبر ميليشياتها الطائفية المسلحة، الذي سيفضي إلى تصدع بني الدولة والمجتمع في تلك المنطقة، وهو ما نجحت فيه إيران حقا، بواقع التصدعات السياسية والأمنية، والاستقطابات الطائفية، الحاصلة في العراق ولبنان وسوريا واليمن.
على أية حال فقد انتهت المعادلة السياسية القائمة على الاستثمار بإيران، أولا، بحكم انتهاء فاعليتها، بعد كل التطورات التي نجم عنها تصدع بني الدولة والمجتمع في المشرق العربي (واليمن). وثانيا، بنتيجة الصدمة التي أحدثتها عملية “طوفان الأقصى”، التي وجدت فيها إسرائيل فرصتها السانحة لشن حرب واسعة، تستعيد فيها مكانتها كدولة رادعة، وكالطرف الإقليمي المهيمن، والمشكّل للخريطة الجغرافية والسياسية والأمنية في الشرق الأوسط.
هكذا، شنت إسرائيل حرب إبادة جماعية ضد فلسطينيي غزة، منذ أكثر من عامين، نجم عنها تدمير قطاع غزة، وتحويله إلى منطقة غير صالحة للعيش، مع تحجيم مكانة السلطة الفلسطينية في الضفة، وإحكام القبضة الإسرائيلية على الفلسطينيين من النهر إلى البحر أكثر من أية فترة مضت.
أيضا، فقد نجم عن تلك الحرب، متعددة الساحات والأطراف، تقويض قدرات “حزب الله” في لبنان، وانهيار النظام السوري، وشن حرب مدمرة ضد إيران، ليس فقط لإعادتها خلف حدودها، وإنما لمحاولة إسقاط النظام، أو لإضعافه في أقل تقدير.
في غضون الحرب الجارية، يفيد التذكير بأن مساحة إيران أكبر من إسرائيل / فلسطين بـ 60 مرة، وهي من حيث عدد السكان ثمانية أضعافها، في حين أن الفارق كبير بينهما في المجالين الاقتصادي والعسكري، إذ إجمالي الناتج المحلي السنوي لإيران 386 مليار دولار، في مقابل 540 مليار دولار لإسرائيل، وبينما يبلغ نصيب الفرد في إيران 4400 دولار سنويا، فإنه في إسرائيل 55 ألفا، وتبلغ نسبة البطالة في إيران 9.6 بالمئة، أما في إسرائيل فهي 3.9 بالمئة، وفي حين تصدر إيران بضائع (ضمنها النفط) بقيمة 71 مليار دولار سنويا فإن صادرات إسرائيل بلغت 73 مليار دولار، مع الفارق أن إسرائيل تعتبر من الدول المتقدمة تكنولوجيا.
فارق آخر لغير صالح إيران يكمن في عزلتها في محيطها، بما لا يقل عن عزلة إسرائيل، إن لم يكن أكثر، بخاصة مع تحولها إلى فزاعة تهدد جوارها، كدولة تدخلية، تسعى للهيمنة، وتدعم قوى ميلشياوية، في جوارها، فحتى دول مجموعة “بريكس”، التي راهن عليها النظام الإيراني، لمواجهة القطب الأميركي، وقفت تتفرج على الحرب ضد إيران.
في المقابل فإن إسرائيل تتمتع بعلاقات وطيدة مع معظم دول العالم، مع تمتعها بضمانة الدول الغربية، بخاصة الولايات المتحدة، لأمنها وتطورها وتفوقها في كل المجالات، وهذا يشمل الصين والهند وروسيا.
في المحصلة، فإن إيران توتر محيطها، فهي انخرطت في حرب اليمن، وفي الصراع الدائر في سوريا والعراق، وفي تعزيز هيمنة “حزب الله” في لبنان، بل إن بعض قادتها ظلوا يتفاخرون بأن إيران تهيمن على أربع عواصم عربية هي بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء.
مع ذلك فإن الحديث عن إسرائيل وإيران لا يقلّل من مكانة أطراف أخرى، سواء في العالم العربي، أو تركيا، وهي دولة قوية ومؤثرة في الإقليم، إذ الأمر هنا يتعلق بالطرفين اللذين ينتهجان الحرب التي تتجاوز بتأثيراتها وتداعياتها السياسية والأمنية حدود الإقليم.
أيضا، فإن اعتبار إسرائيل وإيران الأكثر فاعلية في تشكيل الشرق الأوسط وهندسته، من كل النواحي، لا ينفي حقيقة أن تلك المنطقة مازالت تخضع لشبكة علاقات الهيمنة الأميركية، سياسيا واقتصاديا وأمنيا، وضمن ذلك تحكمها بعلاقات القوة فيها، وها هي الولايات المتحدة تدخل كالطرف المهيمن والأكثر فاعلية في الحرب الدائرة ضد إيران، علما أن ثمة نوع من فارق بين أهداف الولايات المتحدة تختلف عن أهداف إسرائيل في الحرب ضد إيران.
يستنتج من ذلك أن الوضع في المشرق العربي، وفق المعطيات الحربية الجارية، بات رهنا بما تفعله أو لا تفعله الولايات المتحدة، وإسرائيل، ورهنا بتطور مسارات الحرب ونتائجها وحدودها.





