السياسي -متابعات
لم يعد الازدحام أمام متاجر مستحضرات التجميل، ولا ملايين المشاهدات لمقاطع “استعدي معي Get Ready Wtih Me” على تيك توك والمنصات، دليلاً كافياً على ازدهارٍ مضمون الجمال، فخلف الواجهة البراقة، يمر قطاع التجميل بمرحلة إعادة تموضع عميقة، عنوانها الأبرز نهاية “النمو السهل”، وبداية اختبار حقيقي في ظل اقتصاد منقسم على شكل حرف “K”.
في هذا الاقتصاد، تنمو شريحة من المستهلكين والشركات بسرعة، بينما تتراجع أخرى، حيث يواصل الأثرياء الإنفاق بلا تردد، في حين يعيد أصحاب الدخل المحدود حساباتهم بدقة، والنتيجة ظهور سوق تجميل مزدوجة، تتسع فيها الفجوة بين الفاخر والاقتصادي، وبين من يشتري الثمين ومن يبحث عن “القيمة”.
بين نمو الأرباح واهتزاز الثقة
أظهرت نتائج الربع الأخير من شهر فبراير (شباط) الجاري مرونة نسبية، حيث حققت “L’Oréal” و”Estée Lauder” نمواً في المبيعات بنحو 6%، فيما سجلت “Puig” الإسبانية نمواً بنسبة 6.2%، كما عادت “إستي لودر” للنمو في الصين، وواصلت علامة “Charlotte Tilbury” أداءها القوي داخل محفظة بويغ، بحسب ما نشرته “بيزنس فاشون”.

لكن المفارقة أن الأسواق لم تكافئ هذه الأرقام في ظل نمو “هش”، حيث بات ينظر المستثمرون إلى القطاع بحذر، ولم يعد التجميل يُعامل كـ “ملاذ آمن” للنمو المستدام، بل كسوق حساسة لتقلبات القوة الشرائية وتغير المزاج الاستهلاكي، وفق حديث أودري ديبريتر- مونتاسيل، رئيسة قسم التجميل العالمي في شركة أكسنتشر الاستشارية.
معضلة العناية بالبشرة: بين السيروم والليزر
بعد الطفرة التي شهدتها العناية بالبشرة عقب جائحة كورونا، مدفوعة بعلامات مثل “The Ordinary” و”CeraVe”، بدأ المستهلك يطرح سؤالاً مختلفاً: لماذا أشتري كريماً باهظ الثمن إذا كانت جلسة ليزر أو حقن بوتوكس متوفرة وتمنح نتيجة أسرع وأكثر وضوحاً؟
تشير بيانات الجمعية الدولية لجراحي التجميل إلى قفزات لافتة في إجراءات الليزر والتقشير وشد الجلد بنسب 59.2% و33.3%، و38.9% على التوالي منذ عام 2023.

وهنا لم تعد المنافسة بين كريم وكريم، بل بين منتج موضعي وإجراء طبي، حيث باتت العلاجات التجميلية تشهد إقبالاً متزايداً.
إنّ تقليل التجاعيد، وتحسين ملمس البشرة، وشدّها، كلها مزايا تدّعيها علامات تجارية متخصصة في العناية بالبشرة، لكنّ الإجراءات التجميلية تُحققها بشكلٍ أكثر موثوقية.
بدورهم، يرغب العملاء في الحصول على نتائج فورية، أو قيمة مُقابل أموالهم، يُعزى نموّ منتجات العناية بالبشرة لشركة “Puig” بنسبة 5.2% في الربع الأخير من عام 2025 إلى مجموعة منتجات شارلوت تيلبري التي تُضفي إشراقة سطحية، مثل كريمها السحري، بالإضافة إلى مجموعة “Uriage” الفاخرة المعتمدة من أطباء الجلدية.
حتى الشركات الكبرى بدأت تعترف بذلك، رفعت “L’Oréal” حصتها في “Galderma” المتخصصة في الحقن التجميلية إلى 20% في ديسمبر (كانون الأول) 2025، واستثمرت في سلاسل مراكز التجميل الطبية “سكين سبيريت” العام الماضي.
ولم يعد التجميل مجرد عبوة أنيقة على رف، بل منظومة هجينة تجمع بين العيادة والمنزل.
الصين لم تعد المنقذ
لسنوات، كانت الصين محرك النمو الأهم للعلامات الغربية الفاخرة، لكن رغم نمو سوق التجميل هناك بنسبة 5.1%، فإن شركات مثل “Estée Lauder” و”Shiseido” لم تحقق الأداء المأمول، مع تحول المستهلكين نحو علامات محلية.

المحللون يتوقعون تعافياً تدريجياً للصين، لكن ليس عودة إلى “العصر الذهبي”، لذلك تتجه الأنظار الآن إلى الأسواق الناشئة في الهند، وأمريكا اللاتينية، وجنوب شرق آسيا كمحركات نمو بديلة.
فجوة القيمة: من الفاخر إلى “الذكي سعرياً”
في الولايات المتحدة – أكبر سوق تجميل في العالم – يظهر “اقتصاد حرف K” بوضوح، فالأسر الأكثر ثراءً تستحوذ على نحو “نصف الإنفاق الاستهلاكي”، بينما يضغط التضخم على باقي الشرائح.
المثير أن التجميل لا يتبع القاعدة بالكامل، وفق بيانات شركات أبحاث السوق، تسهم مختلف شرائح الدخل في نمو القطاع، لكن بسلوكيات مختلفة: الأثرياء يتجهون إلى “الترقية” وشراء المنتجات الفاخرة، أما الشرائح الأقل دخلاً تشتري كميات أقل، أو تتحول إلى بدائل أرخص، أو تبحث عن “دليل سريري” يبرر السعر.

هنا برزت قوة العلامات الكورية، فشركات مثل “Amorepacific” و”APR Corp” حققت نمواً عالمياً قوياً، مع منتجات عالية الجودة تقل أسعارها عن 20 دولاراً في كثير من الحالات.
وقد حققت أموريباسيفيك نمواً بنسبة 6% في الربع الأخير لتصل إلى 861 مليون دولار، بينما قفزت “إيه بي آر” بنسبة 124.2% لتصل إلى 378 مليون دولار، وبحلول نهاية عام 2025، تجاوزت صادرات كوريا من منتجات التجميل إلى الولايات المتحدة صادرات فرنسا، مما عكس اتجاهًا استمر لعقود.
كما أضافت متاجر تجزئة عالمية أخرى مثل “سبيس إن كيه”، و”أولتا بيوتي”، و”سيفورا”، المزيد من العلامات التجارية الكورية إلى قوائمها.
أي أن كوريا باتت تطبق قاعدة القيمة ولكن بصورة جديدة تعتمد فيها على ثلاثية “الجودة المرتفعة، والسعر المناسب، والسردية العلمية الواضحة”؛ لتصبح لاعب قوي في هذا السوق.
هل انتهى “مؤشر أحمر الشفاه”؟
ترسخت سمعة قطاع التجميل كقطاع مرن على مدى عقود، لكن “مؤشر أحمر الشفاه” الذي ابتكره ليونارد لودر عام 2001، حيث افترض دائماً وجود ارتفاع في مبيعات الكماليات الصغيرة أوقات الضغوط الاقتصادية. لكن هذه النظرية تعرضت لاختبار قاسٍ في العامين الماضيين.
شركات كبرى مثل “Estée Lauder” و”Shiseido” أعلنت تراجع مبيعاتها في منتصف 2025، بينما قررت “MAC Cosmetics” التوسع في التوزيع عبر “Sephora” بدءاً من أوائل 2026، في خطوة اعتبرها بعض المتابعين إشارة إلى اشتداد المنافسة وضغوط النمو، وفق “بيزنس فاشون”.
ورغم غياب ركود عالمي رسمي، فإن الضغوط المعيشية دفعت شريحة من المستهلكين إلى خفض الإنفاق أو التحول نحو بدائل أقل سعراً، مع استمرار ثقافة “المنتجات المقلدة” وعودة التجميل الكوري وقنوات “اصنعها بنفسك”.

كما برز ما يُعرف بـ “شعر الركود”، حيث يفضّل العملاء تسريحات منخفضة الصيانة لإطالة الفترات بين زيارات الصالونات. ووفق استطلاع أجرته “Sally Beauty”، فإن 20% فقط من صابغي الشعر يرتادون الصالونات حصرياً، و40% يعتمدون على الصبغ المنزلي فقط، بينما يجمع الباقون بين الطريقتين.
في المقابل، يتسارع نمو التجميل المنزلي المدعوم بالتكنولوجيا، حيث أطلقت سالي بيوتي عام 2025 خدمة “خبير تلوين مرخص عند الطلب”، التي تجذب أكثر من 5000 مستخدم أسبوعياً، نصفهم عملاء جدد.
فيما قدّرت مجموعة بيوتي تك، المالكة لعلامات مثل “CurrentBody Skin”، و”Ziip Beauty”، و”Tria Laser”، قيمة سوق أجهزة التجميل عالمياً بين 9 و12 مليار جنيه إسترليني (12- 16 مليار دولار) في 2025، ما يعكس تحوّل الجهاز المنزلي من رفاهية إلى “استثمار” يقلل زيارات العيادات.





