ما الذي جرى في الكواليس بين واشنطن وطهران؟ وإلى أين تمضي المنطقة؟
لم يكن إعلان وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران حدثًا عابرًا في سياق تصعيدي تقليدي، بل لحظة مكثفة كشفت حدود القوة، وعرّت طبيعة التوازنات التي تحكم الإقليم والعالم.
فبعد أن بلغت لغة التهديد ذروتها، واقتربت المنطقة من شفير مواجهة مفتوحة، جاء التراجع المفاجئ ليؤكد حقيقة غالبًا ما تُخفى خلف ضجيج التصريحات:
أن منطق الحافة لا يُدار دائمًا بإرادة من يقف عليها، بل بخوف الجميع من السقوط.
في ظاهر المشهد، بدا قبول دونالد ترامب بتهدئة مؤقتة، وفق شروط قريبة من الطرح الإيراني، وكأنه تراجع مفاجئ.
لكن في العمق، لم يكن ذلك سوى انعكاس لحسابات أكثر براغماتية.
فواشنطن تدرك أن الانتقال من التهديد إلى الفعل في مواجهة إيران لا يعني ضربة محدودة، بل مسارًا مفتوحًا من الردود المتبادلة، تتداخل فيه الجغرافيا العسكرية مع الاقتصاد العالمي، وتصبح فيه السيطرة على مسار التصعيد أمرًا بالغ الصعوبة.
في المقابل، نجحت طهران في تثبيت معادلة ردع مفادها أن استهدافها لن يكون بلا كلفة، وأن أدواتها لا تقتصر على الرد العسكري المباشر، بل تمتد إلى مفاصل حساسة في النظام الدولي، وفي مقدمتها أمن الطاقة.
فمجرد التلويح بتهديد الملاحة في مضيق هرمز كان كافيًا لإدخال الأسواق العالمية في حالة ترقب، ولإيصال رسالة بأن أي مواجهة لن تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي.
وفي خضم هذا التصعيد، جاء فشل مجلس الأمن الدولي في تمرير مشروع قرار يتعلق بضمان حرية الملاحة، نتيجة الفيتو المزدوج من روسيا والصين، ليضيف عنصرًا حاسمًا في إعادة ضبط المشهد.
فهذا “الفشل” لم يكن مجرد عجز دبلوماسي، بل تحوّل إلى أداة توازن غير مباشرة، حالت دون توفير غطاء دولي لأي تصعيد واسع، وأعادت التأكيد على أن النظام الدولي، رغم تناقضاته، لا يزال قادرًا على كبح الانفجار في لحظات حرجة.
غير أن ما جرى في العلن لا يعكس كامل الصورة. فخلف التصريحات الحادة والتحركات العسكرية، كانت هناك دبلوماسية صامتة تعمل بوتيرة متسارعة. قنوات خلفية، عبر وسطاء إقليميين ودوليين، نقلت الرسائل وحددت الخطوط الحمراء، فيما تشكّلت تفاهمات غير معلنة، يمكن تلمّس ملامحها في سلوك الطرفين.
من المرجح أن هذه التفاهمات شملت ضبط إيقاع الردود، وتجنب استهداف المنشآت الحيوية، وترك نافذة مفتوحة لتفاوض لاحق، ولو بصورة غير مباشرة.
في هذا السياق، لم تكن الضغوط الدولية أقل تأثيرًا. فالقوى الاقتصادية الكبرى، التي تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على استقرار تدفقات الطاقة، لم تكن مستعدة لتحمل تبعات إغلاق محتمل لمضيق هرمز أو حتى اضطراب طويل في الإمدادات.
ومن هنا، تلاقت مصالح متعارضة ظاهريًا على هدف واحد: منع الانزلاق إلى حرب شاملة.
وسط هذه المعادلة المعقدة، تقف دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، في موقع بالغ الحساسية.
فهي ليست طرفًا مباشرًا في المواجهة، لكنها تمثل جغرافيًا واقتصاديًا أحد أبرز ميادين تأثيرها.
فالبنية التحتية للطاقة، وشبكات الكهرباء والمياه، تجعلها أهدافًا محتملة في أي رد غير مباشر، وهو ما يمنحها موقع “المتأثر الأول” بأي تصعيد، حتى وإن لم تكن “الفاعل الأول” فيه.
ومع ذلك، لم تعد هذه الدول في موقع المتلقي السلبي ، فقد أظهرت السنوات الأخيرة تحولًا واضحًا في مقاربتها للأمن الإقليمي، من خلال تعزيز قدراتها الدفاعية، وتوسيع شراكاتها، والانخراط في مسارات تهدئة تهدف إلى تقليل المخاطر.
لكن هذا التطور، على أهميته، لا يلغي حقيقة أن أي مواجهة واسعة ستترك أثرًا عميقًا على استقرارها، وعلى الاقتصاد العالمي ككل.
الهدنة المعلنة لمدة أسبوعين لا يمكن قراءتها كحل، بل كاستراحة محسوبة داخل أزمة مفتوحة.
فهي تمنح الأطراف فرصة لإعادة التقييم، لكنها لا تعالج جذور التوتر.
ومن هنا، تتعدد الاحتمالات في ما بعد هذه الهدنة. فقد نشهد احتمال انتقالها إلى مسار تفاوضي أطول، إذا ما توافرت الإرادة السياسية والضمانات الدولية. كما يظل احتمال العودة إلى تصعيد منضبط قائمًا، حيث تستمر الضغوط المتبادلة ضمن حدود محسوبة. وفي المقابل، لا يمكن استبعاد احتمال الانزلاق مجددًا إلى مواجهة أوسع، نتيجة خطأ في التقدير أو حادث غير محسوب.
غير أن القاسم المشترك بين هذه الاحتمالات جميعًا هو أن المنطقة لا تزال تعيش داخل معادلة غير مستقرة، تُدار فيها الأزمات أكثر مما تُحل.
وهذا ما يجعل أي تهدئة مؤقتة عرضة للانهيار، إذا لم تتحول إلى مدخل لإعادة صياغة قواعد الاشتباك.
خلاصة القول :
ما جرى لم يكن انتصارًا حاسمًا لأي طرف، بل لحظة وعي جماعي بحدود القوة، وبخطورة الاستمرار في لعبة الحافة.
لقد اقترب الجميع من الهاوية بما يكفي لرؤية عواقب السقوط، فتراجعوا خطوة… لكنهم لم يغادروا المكان.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام صناع القرار:
هل تُستثمر هذه اللحظة لبناء توازن أكثر استدامة، يقوم على الردع العقلاني وتجنب الانفجار؟
أم تُهدر كفرصة مؤقتة، ليعود الجميع إلى التصعيد، لكن هذه المرة من نقطة أقرب إلى الحافة؟
إن الأمن في هذه المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة ردود الفعل، ولا أن يُدار بمنطق المغامرة المحسوبة. فكل جولة تصعيد، مهما بدت محدودة، تحمل في طياتها احتمال الانفلات.
وكل هدنة لا تُبنى عليها تسوية عادلة وشاملة وفي القلب منها القضية الفلسطينية ، تبقى مجرد تأجيل لمواجهة مؤجلة.
إن الرهان اليوم ليس على كسب جولة، بل على تجنب حرب.
وليس على اختبار القوة، بل على إدارة حدودها.
فحافة الهاوية قد تمنح وهْم السيطرة…
لكنها لا تمنح أحدًا حق النجاة إذا وقع السقوط.
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
8/4/2026






