هكذا تحوّل نهر الليطاني إلى مطمحٍ لجهات مسيحانية

هآرتس
النهر الأكبر في لبنان يُعدّ حالة اختبار مثيرة للاهتمام. فبالنسبة لكثيرين يبدو كحلٍّ سحري للتهديد الأمني، لكن التعمق في وضعه يكشف عن عدد لا يُحصى من المشكلات.

قال الفيلسوف اليوناني Heraclitus قبل 2500 عام: “لا يمكنك أن تدخل النهر ذاته مرتين”. كان يقصد أن الواقع يتغير باستمرار، فالمياه تتدفق والإنسان الذي يدخل النهر ويتبلل بها يتغير هو أيضًا. لكن الفيلسوف لم يواجه الواقع الإسرائيلي. هنا، كما يبدو، يمكن الدخول إلى النهر نفسه ثلاثًا وأربع مرات. لا شيء يتغير. المياه ومن يغتسل بها ينسون سريعًا تجارب الماضي ويندفعون بحماس.

سيُستخدم نهر الليطاني في كتب التعليم المستقبلية كحالة اختبار لافتة. سيحاول الطلاب فهم كيف تحوّل النهر اللبناني، بطريقة تكاد تكون سحرية، مرارًا وتكرارًا إلى مطمح إسرائيلي. كما سينشغل باحثو الذاكرة البشرية، وخبراء فقدان الذاكرة، بالليطاني، محاولين فهم كيف يعود ليُطرح في كل مرة كحل مثالي، بينما تُنسى جميع مشكلاته. وهذا ما يحدث أمام أعيننا اليوم، وليس للمرة الأولى. وربما تنطبق هنا المقولة المنسوبة إلى Albert Einstein: “الجنون هو أن تفعل الشيء نفسه مرارًا وتتوقع نتائج مختلفة”.

الليطاني هو أطول وأهم نهر في لبنان. يبلغ طوله 174 كيلومترًا، وينبع من ينابيع العليق في منطقة بعلبك، ويتدفق جنوبًا على طول سهل البقاع. يمر مجراه بين جبل لبنان غربًا وسلسلة جبال لبنان الشرقية شرقًا. قرب بلدة مرجعيون المسيحية، على بعد نحو ستة كيلومترات شمال المطلة وقرب الحدود مع إسرائيل، يغيّر النهر مساره بزاوية حادة نحو الغرب. ويُعرف هذا المنعطف باسم “ركبة الليطاني”. ومن هناك يشق طريقه عبر وادٍ عميق ويتجه نحو البحر شمال صور. في أواخر الخمسينيات أُقيم سد القرعون شمال هذا المنعطف، مما شكّل بحيرة اصطناعية كبيرة توفّر نحو 15% من الكهرباء في لبنان.

قد يبدو نهر الليطاني لكثير من الإسرائيليين كحل سحري أو كهدف مرغوب، لكن التعمق في وضعه الحالي يكشف عن مشاكل لا حصر لها. ففي يوليو/تموز 2025 نشرت صحيفة “هآرتس” تقريرًا لوكالة رويترز وصف الجفاف الذي ضرب لبنان في الشتاء السابق، وكان الأشد منذ بدء القياسات. وقد أدى الجفاف إلى انخفاض منسوب الليطاني إلى مستوى تاريخي، وهدد إمدادات المياه والكهرباء والزراعة. وبسبب انقطاع الأمطار تقلّصت بحيرة القرعون، وتحول جزء كبير منها إلى أرض متشققة ونباتات ميتة. ووفقًا للهيئة الوطنية لنهر الليطاني، لم يتجاوز تدفق المياه إلى البحيرة 45 مليون متر مكعب، مقارنة بـ230 مليونًا في العام السابق و350 مليونًا كمعدل سنوي. كما أن مياه البحيرة غير صالحة للاستخدام بسبب التلوث. ويتفاقم الوضع بسبب سوء إدارة قطاع المياه، إذ تشير الدراسات إلى أن نحو نصف المياه يُهدر بسبب التسرب والبنية التحتية القديمة.

في الماضي، كان النهر مختلفًا. إذ يُعرض في موقع River Mixer كوجهة سياحية مميزة، لما له من أهمية تاريخية ومناظر طبيعية خلابة تضم الجبال والوديان والغابات، وخاصة أرز لبنان. ويتيح النهر أنشطة مثل التجديف وصيد الأسماك. ويصفه الموقع بأنه “ليس مجرد مجرى مائي، بل شهادة حيّة على تاريخ لبنان وثقافته وصموده”.

وتدل طموحات اللبنانيين على رغبتهم في مستقبل أفضل للنهر، كما يظهر في مشروع طالب العمارة إيلي خطاس، الذي قدم خطة لإعادة تأهيل بحيرة القرعون وتحويل المنطقة إلى موقع سياحي حديث، مع إنشاء محطات لمعالجة المياه ومرافق سياحية.

الخيال الإسرائيلي

يُنظر إلى الليطاني في المخيال الإسرائيلي كحدٍّ طبيعي لشمال إسرائيل. ورغم أنه لم يُذكر في التوراة، يرى البعض فيه حدًا كتابيًا بين الجليل ولبنان. ففي عام 1919 كتب David Ben-Gurion أن الليطاني يجب أن يكون الحد الشمالي لفلسطين. كما اعتبره الجغرافي أبراهام بروفر حدًا شماليًا في كتابه عام 1929.

لكن اتفاقية Sykes-Picot Agreement أبقت النهر ضمن النفوذ الفرنسي، بينما يستند “الخط الأزرق” الحالي إلى حدود الانتداب واتفاقيات 1949.

خلال العقود الماضية، وصلت إسرائيل إلى الليطاني عدة مرات: في عملية الليطاني عام 1978، وفي حرب 1982، وكذلك في أجزاء محدودة لاحقًا، لكن دون تحقيق نتائج دائمة.

“لا خيار” — توافق خطير

تشير مقالات حديثة إلى توافق متزايد في إسرائيل حول ضرورة الوصول إلى الليطاني، تحت شعار “لا خيار”. ويُطرح ذلك كحل أمني رغم فشل التجارب السابقة.

ووفق تقارير، يعمل الجيش الإسرائيلي وفق “نموذج الليطاني” لتحقيق سيطرة بين الحدود والنهر، مع منع عودة السكان الشيعة إلى الجنوب كوسيلة ضغط على حزب الله. وقد نزح أكثر من نصف مليون شخص من المنطقة.

يشير باحثو منظمة ACLED إلى أن إسرائيل انتقلت من ضربات تكتيكية إلى إنشاء “حزام أمني استراتيجي”، حيث دُمّر أكثر من 10 آلاف مبنى، وأصبحت مناطق واسعة غير صالحة للسكن. كما تم إطلاق النار على مدنيين حاولوا العودة للحفاظ على “تعقيم” المنطقة.

وأُصدرت أوامر إخلاء شملت أكثر من 120 بلدة، ثم جميع السكان جنوب الليطاني، بما في ذلك مدينة صور. كما دُمّرت جسور رئيسية فوق النهر، ما أدى إلى شلل في الحركة.

وحتى الآن، فرّ نحو 585 ألف شخص من جنوب لبنان، وقُتل نحو 1200 شخص، بينهم 121 طفلًا، وأصيب 3400. ويحذر خبراء من نشوء “جيل ضائع” نتيجة انقطاع التعليم.

نهر أم مجرى ملوث؟

يرى الجغرافيون أن الليطاني لا يمكن أن يكون “حدًا طبيعيًا” ذا معنى. فالنهر ملوث بشدة، ويصفه اللبنانيون بأنه “نهر ميت”. كما أن أفكار نقل مياهه أو استخدامه كحدود تُعد غير واقعية.

ويحذر خبراء من أن السياسات القائمة على التهجير وإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا ستؤدي إلى نتائج كارثية، كما حدث في أماكن أخرى. ويرون أن الضغط على المدنيين لا يؤدي إلى الأمن، بل إلى مزيد من العداء، فضلًا عن مخالفته للقانون الدولي.

وتخلص المقالة إلى أن تكرار هذه السياسات لن يجلب الأمن، بل سيعمّق الصراع ويزيد من حدّته