في لحظة حرجة من مسار الحرب الدائرة على غزة، عاد بنيامين نتنياهو إلى اللعب على وتر الإشاعة، حين نسجت آلة إعلامية إسرائيلية خبراً عن مقتل تسعة جنود في ظروف غامضة، سرعان ما تداوله الإعلام العبري قبل أن تُسارع مؤسسات الاحتلال إلى نفيه أو التعتيم عليه. هذا الحدث لم يكن مجرد خطأ إعلامي أو تسريب عابر، بل جزءاً من إستراتيجية اتصالية متقنة توظّف الوهم كأداة سياسية وعسكرية، في محاولة لإعادة صياغة صورة الصراع أمام الداخل الإسرائيلي المتأزم، وإرباك الخصوم في آنٍ واحد.
الإشاعة، في السياق الإسرائيلي، ليست مجرد خبر زائف، بل ورقة تكتيكية يتقن نتنياهو استخدامها كلما ضاق عليه الخناق. فالرجل الذي يقف على حافة أزماته السياسية والقضائية، يدرك أن الرأي العام الإسرائيلي لم يعد يثق بقدرة جيشه على الحسم، وأن معارضيه في الشارع والكنيست يتربصون به لاستغلال أي فشل ميداني. من هنا، تأتي إشاعة “مقتل الجنود” كأداة مزدوجة: من جهة بثّ شعور بالتضحية المستمرة في سبيل “الأمن القومي”، ومن جهة أخرى صناعة حالة من الخوف والتعبئة النفسية تبرر استمرار الحرب وسياسة التهجير التي تتخفى خلف ستار “الأمن”.
لكن المثير أن إسرائيل نفسها سارعت إلى تكذيب هذه الرواية، لتكشف أنها لعبة مدروسة أكثر من كونها خطأ. فالتكذيب في حد ذاته رسالة إلى الداخل: “نحن نملك زمام المبادرة الإعلامية، ولسنا في حالة انهيار أو فقدان سيطرة”. وفي هذا التناقض المدروس، تُغذى عقلية الجمهور الإسرائيلي بين الخوف والتماسك، وبين الفقدان والإنكار، ليبقى مستعداً للقبول بأي تصعيد أو خطوة قاسية يفرضها نتنياهو لاحقاً.
ومع هذه الإشاعة، تسللت أخرى أكثر خطورة: أنباء عن مقتل الناطق الرسمي باسم كتائب القسام، أبو عبيدة. الرجل الذي تحوّل إلى أيقونة رمزية تتجاوز حدود غزة، يظلّ لغزاً في ذاته. لا صورة واضحة، ولا حضور علني، ولا معلومات دقيقة عن مكانه أو وضعه، ما جعل من خبر “اغتياله” مادة خصبة للتكهنات والتأويلات. تداول الخبر بهذا التوقيت لم يكن بريئاً؛ إذ يراد به ضرب الروح المعنوية للمقاومة الفلسطينية، وإيصال رسالة مفادها أن “الاختراق وصل إلى أعلى دوائر القسام”. بل إن الحديث عن احتمال وجود خيانة داخلية في الدائرة المصغرة للمقاومة، إن صحّت الفرضية، يصب في هدف استراتيجي واحد: زرع الشكوك داخل الصف المقاوم، وتغذية سردية الانقسام وعدم الثقة.
لكن السؤال الأكبر يبقى: هل أبو عبيدة موجود فعلاً في غزة؟ أم أن شخصيته، بما تحمله من غموض، جزء من تكتيك إعلامي محسوب للمقاومة، حيث يصبح الرمز أهم من الجسد، والصوت أهم من الحضور؟ هنا تكمن قوة المقاومة: في تحويل الغياب إلى حضور مضاعف، وفي جعل الغموض أداة حماية وردع في آنٍ معاً.
الإعلام العربي والدولي تعامل مع هذه الإشاعات بطرق متباينة. فبينما التقطت بعض وسائل الإعلام العربية الخبر دون تحقق، في سياق التهويل أو الشماتة أو حتى الحماسة، تعامل الإعلام الدولي معه بتحفظ محسوب، مدركاً أن إسرائيل تستخدم “التسريب” كسلاح إعلامي. هذا التفاوت في التناول يعكس غياب منظومة إعلامية عربية متماسكة قادرة على تفكيك خطاب الاحتلال وفضح أدواته، في مقابل ماكينة إسرائيلية تعرف جيداً كيف تتحكم في إيقاع الخبر وتوقيته.
أما تزامن هذه الإشاعات مع تحركات فصائل المقاومة بعد فترة من “الكمون النسبي”، فيوحي بأن المشهد أعمق من مجرد حرب بيانات. ثمة ما يُرتّب في الخفاء لإطالة الأزمة، وكأن الاحتلال يسعى إلى إعادة برمجة الوعي الجمعي الإسرائيلي والفلسطيني والعالمي، بما يخدم فكرة أن الحرب لم تصل إلى خواتيمها، وأن الطريق لا يزال طويلاً نحو أي حل.
في النهاية، ما جرى ليس مجرد إشاعة عابرة، بل فصل جديد من حرب مركّبة تتجاوز الميدان إلى العقول والنفوس. نتنياهو يعرف أن صورته على المحك، وأن خصومه الداخليين لن يترددوا في الانقضاض عليه إن فشل في إدارة المعركة. لذلك، يستعمل الإشاعة كسلاح استراتيجي، يوازي الصواريخ والقنابل في تأثيره، ويؤسس لمرحلة قد يكون فيها الوهم أقوى من الحقيقة، والصوت الغامض أقوى من كل الضجيج.