المؤرخ والمختص بالاثار
استندت الحركة الصهيونية إلى آيات من سفر التكوين، الأصحاحات ١٢ : ٧، ١٥ : ١٨-٢٠، ١٧ : ٧ ويرد في الآية الاخيرة :
“أقيم عهدي بيني وبينك واجعلك أبا للأمم وأعطيك أرض كنعان أرضا لك ولنسلك بعدك”
واستخدمت هذه الآيات لتبرير ادعائها بحق اليهود في استعادة الأرض الموعودة لنسل إبراهيم، معتبرة إياها أساسا دينيا يمنح شرعية تاريخية وسياسية، وهو ادعاء يثير تساؤلات حول مدى جواز استخدام النصوص الدينية كأساس لمطالب إقليمية.
يمكن تفكيك هذا الادعاء إلى سؤالين رئيسيين:
أولا: الأرض الموعودة الواقعة بين نهر مصر والنهر الكبير، والتي فسّرها البعض بأنها تمتد من النيل إلى الفرات، والتي يُزعم أن الله منحها لنسل إبراهيم، والتي يراد استعادتها وطرد سكانها الأصليين. تحدد التوراة ملكيتها لأهلها: “أرض” القيين والقنزيين والقدمونيين والحثيين والفرزيين والرفائيين والأموريين والكنعانيين والجراجاشيين، ولا يمكن تحديدها جغرافيا في الواقع المعاصر، كما لا توجد دلائل أثرية تؤكد وجود أي حق حديث للاستيلاء عليها.
ثانيا: نسل إبراهيم الذي يُفترض أن يمتلك هذا الحق غير محدد بدقة في النصوص، ولا يمكن اعتبار اليهود المعاصرين من نسل إبراهيم عرقيا، فهم جماعة دينية تبشيرية عابرة للحدود، لا ترتبط بجغرافيا محددة كما هو حال المسيحية والإسلام.
تثبت مراسلات يهود الأندلس مع يهود ألمانيا أن كثيرا منهم ليسوا من أبناء سام، وخاصة رد ملك الخزر يوسف على رسالة وزير قرطبة حسداي بن إسحق:
וכבר הגיעה אלינו אגרתך ביד יצחק בן אלעזר היהודי מארץ אשכנז, ושמחנו בדבריך ובחכמתך…
ואנחנו מזרע יפת, מבני תוגרמה, ומצאנו בספרי אבותינו כי לתוגרמה עשרה בנים…
ואחר כן קם מלך אחד ושמו בולן, והסיר את המכשפים ואת עובדי האלילים, ושב לעבוד את אלוהי ישראל, ויתגייר הוא ועבדיו וכל אנשי ביתו…
الترجمة:
لقد وصلتنا رسالتك عبر إسحاق بن إليعزر اليهودي من أرض أشكناز وقد أسعدتنا بكلامك وبحكمتك
نحن من نسل يافث عبر أبناء توغارما وقد وجدنا في كتب أسلافنا أن لتوغارما عشرة أبناء
بعد ذلك ظهر ملك اسمه بولان الذي طرد السحرة والوثنيين وتحول إلى عبادة إله إسرائيل واعتنق اليهودية هو وخدمة وكل أهل بيته
توغارما الذي تنحدر منه هذه الجماعة اليهودية هو ابن يافث بن نوح، وهذا يعني أن الخزر ليسوا من بني سام، أما أشكناز فهو ابن يافث أيضا ويذكر في سفر التكوين كأحد أحفاد يافث ويربط تقليديا بالشعوب التي استقرت في أوروبا الوسطى والشمالية، وبذلك اليهود الذين انحدروا من الخزر أو عاشوا في مناطق أشكناز التاريخية ينحدرون من نسل يافث وليس من نسل سام.
اضف الى ذلك حقائق أثرية وتاريخية ونصية تظهر ان اليهودية في أصلها ديانة دعوية تبشيرية لا رابطة دم ونسب وهم ليسوا نسل إبراهيم أو غيره ينتمون إلى أعراق مختلفة وهذه أهمها :
1 ـ النسب في التوراة
تعتمد التوراة في سرد الأنساب على الخط الأبوي من آدم حتى ملاخي آخر أنبياء العهد القديم، ولا تكاد تذكر النسب إلى الأم إلا نادرا وفي حالات استثنائية لا تتعلق باليهودية اصلا مثل عوج بن عنق، وهو من العمالقة وليس يهوديا.
ولا يوجد في النص التوراتي تشريع صريح يقرر ان الانتماء الديني يحدد عبر الأم.
ولذلك كانت ومازالت الطوائف السامرية والاسينية والصدوقية يرون أن اليهودي يكون يهوديا من خلال الأب، وهذا هو المعروف في التقاليد اليهودية القديمة، وهو المطبق في التوراة، وليس من خلال الأم، فالقبائل اليهودية تسمى باسم جدها الأعلى، والذي ينسب إلى داود ينتسب عن طريق الأب، وكذلك نسب الكهنة يكون أيضاً عن طريق الأب.
2 ـ اليهودية ديانة تبشيرية في القرن الأول
يتضح من انجيل متى ان اليهودية في القرن الأول الميلادي كانت ديانة تسعى لاجتذاب الدخلاء، وهو ما ينفي فكرة النقاء العرقي المغلق:
«ويل لكم ايها الكتبة والفريسيون المراؤون لانكم تطوفون البحر والبر لتكسبوا دخيلا واحدا…» (متى 23:15)
ووجود مفهوم الدخيل المهتدي دليل صريح على ان اليهودية لم تكن عرقا منغلقا، وهذه الاية شهادة على التنافس الدعوي بين اليهودية والمسيحية في بداياتهما.
3 ـ تهود الخزر
يعد تهود الشعب الخزري حدثا تاريخيا ثابتا اذ اعتنق الملك بولان ملك الخزر، وهم من أصل تركي، اليهودية وتبعته النخبة الحاكمة.
ومن اهم المصادر التي توثق ذلك كتاب الخزري لمؤلفه يهوذا بن صموئيل هاليفي، الذي ألف كتابه باللغة العربية الفصحى بحروف عبرية، ونقل لاحقا الى الحرف العربي دون ترجمة بواسطة ليلى ابراهيم ابو المجد.
العنوان الأصلي:
אל חגה ואלדליל פי נצר אלדין אלדליל
ويعني بالعربية: الحجة والدليل في نصرة الدين الذليل.
ويصرح هاليفي بالتمييز بين اليهودي بالنسب واليهودي الذي اعتنق اليهودية، ويرى أن المهتدي أقل منزلة من اليهودي المولود اذ يقول ان ملك الخزر رغم مكانته ادنى مرتبة من اليهودي منذ الميلاد لأنه حظي برؤية التجلي الإلهي (ص 84) ويضيف: «ان من يدخل دين اسرائيل من الأمم الأخرى يصله من خيرنا ولا يستوي معنا» (ص 85).
وهذا اقرار صريح بأن يهود الخزر ليسوا ساميين ومع ذلك عدوا يهودا.
4 ـ سلمان الفارسي
تؤكد المصادر الإسلامية أن سلمان الفارسي كان مجوسيا ثم تهود ثم تنصر ثم أسلم، والفرس ينسبون إلى العرق الآري لا السامي. ومع ذلك كان التهود متاحا، ما يؤكد أن اليهودية ديانة لا هوية عرقية.
5 ـ قمران ودستور الجماعة
عثر في قمران على وثائق تنظيمية تعرف بدستور الجماعة، وهي أشبه بنظام داخلي لجماعة دينية.
وتتحدث الوثائق صراحة عن آليات القبول والانضمام، ما يدل على وجود تصور دعوي منظم (وثائق البحر الميت اندريه دوبون سومير ترجمة موسى ديب الخوري ص 49).
6 ـ السبي وعزرا
إذا كان السبي البابلي حدثا تاريخيا حقيقيا، فمن المؤكد ان جيل السبي تكون من أعراق متعددة.
وتذكر التوراة أن عزرا اتخذ اجراءات لاعادة طهارة الشعب، ومنها فسخ الزيجات من نساء غير يهوديات.
غير ان هذا النص لا يثبت انتقال النسب من الأب إلى الأم بل يعكس إجراءات تنظيم ديني.
كما أن القول بحدوث تحول حاسم في تعريف اليهودي زمن عزرا يتعارض مع وقائع تاريخية لاحقة مثل تهوّد الخزر وسلمان الفارسي، وهي أحداث جاءت بعد عزرا بقرون طويلة وبعضها بعده بأكثر من ألف عام.
7 ـ الاسينيون وفترة الاختبار
يصف يوسيفوس فلافيوس الأسينيين بأنهم نظاما رهبانيا او مدرسة سرية، ويذكر أن المرشحين للانضمام إليهم كانوا يخضعون لفترة اختبار تمتد ثلاث سنوات، وهو ما يؤكد وجود آلية قبول ديني لا رابطة دم.
8 ـ التهويد القسري
قام يوحنا هيركانوس (134- 104 ق.م) بهدم معبد السامريين على جبل جرزيم واجبرهم على التهود.
ولو كانت اليهودية عرقا لما امكن فرضها بالقوة على جماعة اخرى.
9 ـ راعوث المؤابية
اول سفر توراتي يحمل اسم امرأة هو سفر راعوث، يتحدث صراحة عن تهود راعوث المؤابية التي تزوجت بوعز وأنجبت عوبيد جد الملك داود:
«فأخذا امرأتين مؤابيتين اسم إحداهما عرفة واسم الاخرى راعوث» (راعوث 1:4).
فهل يعقل القول ان داود رمز اليهودية لم يكن يهوديا لأن جدته لم تكن يهودية بالميلاد؟
10 ـ الخلاف المعاصر حول تعريف اليهودي
في العصر الحديث ظهر خلاف بين الطوائف اليهودية حول تعريف اليهودي، فالارثوذكسية تشترط الولادة من أم يهودية أو التهود، بينما تقبل الإصلاحية النسب الأبوي إذا تربى الابن على اليهودية.
قانونيا في اسرائيل يعد يهوديا من ولد لأم يهودية أو من تهود، مع بقاء الاعتراف الديني مقصورا على التهود الارثوذكسي.
ويستند التعريف الحاخامي الى قاعدة المشناه التي تقر بان الولد يتبع الأب اذا كان الزواج صحيحا أو الطرف المعيب عند وجود مخالفة ويتبع الام عند غياب الزواج الشرعي.
11 ـ معطيات التحول الديني في إسرائيل
يكشف كتاب التحول الديني في إسرائيل الصادر عن معهد الديمقراطية الإسرائيلي (حرره يديديا شتيرن و نتانئيل فيشر) فشل نظام التحول الديني الحكومي منذ 1996، الذي يجري عبر مسار عسكري خاص.
ويسجل سنويا نحو 10 آلاف شخص بلا دين بينما لا يتم تهويد أكثر من 2000 شخص.
وتبلغ نسبة التهود 95% بين مهاجري اثيوبيا مقابل 7% بين مهاجري الاتحاد السوفيتي السابق.
كما يولد سنويا نحو 4500 طفل لاباء بلا دين.
وتشير هذه المعطيات القانونية والتاريخية الى ان التهود والتحول الديني عملية مستمرة لم تتوقف.
12 ـ الشهادة التاريخية القديمة
يؤكد يوسيفوس فلافيوس كما فيلون السكندري في مؤلفاته في حياة موسى والفضائل ودفاعا عن اليهود، أن شريعة موسى لم تبق حبيسة شعب واحد بل انتشرت بين أمم كثيرة لأن الناس وجدوا فيها نظاما إلهيا عقلانيا.
13 ـ إجراءات التهويد في التلمود
يرد في التلمود البابلي رسالة يفاموت יבמות الورقة 47 آ ب، النص الفقهي الكامل لإجراءات التهود:
يُسال المتهود الا تعلم ان الاسرائيليين الان مضطهدون فلماذا جئت لتتهود؟ وبعد أن يُجيب يختن فورا ثم يدخل في الماء ليغتسل تحت إشراف اثنين من الحكماء ويخرج من الماء اسرائيليا في كل شيء.
ملاحظة: التلمود البابلي هو المرجع القانوني وليس التلمود الأورشليمي.
وفي المشناة (رسالة يڤاموت 8 1): لا يدعى الغريب غريب عدل حتى يختن ويغتسل.
وحول ذلك يرد في اشعياء اصحاح 56 آية 7: لأن بيتي بيت الصلاة يدعى لكل الشعوب.
14 – ويرد في سفر استير الاصحاح 8 : العدد 17 : وبعد نجاة اليهود من مؤامرة هامان، تهود كثير من شعوب الأرض خوفا من اليهود الذين أصبح لهم نفوذ قوي في المملكة الفارسية تحت حكم الملك أحشويروش.
١٥ـ بدأ تحول اليمن نحو التوحيد مع الملك الحميري “أسعد الكامل” في القرن الخامس الميلادي، الذي تأثر أثناء حملة عسكرية إلى يثرب بعلم ومنطق أحبار اليهود هناك، فقرر اعتناق دينهم ونقله إلى بلاده. وعند عودته إلى اليمن، لم يفرض الدين قسراً بل واجه معارضة القبائل الوثنية التي لم تقتنع إلا بعد “مناظرة كبرى” أثبتت تفوق التوحيد على عبادة الأصنام، مما أدى إلى تهود النخبة الحاكمة وقبائل حمير الكبرى تدريجياً. ولم يكن هذا التحول مجرد رغبة روحية، بل كان خياراً استراتيجياً لتوحيد القبائل اليمنية تحت راية دين سماوي واحد يمنح الدولة سيادة وهوية وطنية قوية قادرة على مواجهة الضغوط السياسية والدينية القادمة من الإمبراطورية البيزنطية وحلفائها الأحباش.
١٦- شهد الصراع بين الصدوقيين “الطائفة العنانية” مع الربانيين في الفترة الأموية والعباسية صداما حادا حول قضية التحول إلى اليهودية من الأديان الأخرى، التي ناقشها عنان بن داود والقرقساني وغيرهما أيضا
١٧ ـ تناولت دراسات حديثة عديدة اليهودية على أنها ديانة دعوية وليست انتماء عرقي مغلقا، ويشير شيلي ايلان إلى أن بعض الدراسات عن اليهودية المبكرة كانت تهدف الى دعوة الامم الى القيم الالهية ولم تكن محصورة في الانتماء العرقي.
ويرى جيمس شابيرو أن اليهودية المبكرة كانت مبنية على قانون ونصوص يمكن لاي انسان ان يعتنقها ما يجعلها ديانة دعوية بطبيعتها.
ويشير بول جونسون إلى أن الرسائل النبوية مثل قيم العدل والرحمة كانت موجهة للانتشار العالمي، وهو ما يمنح اليهودية طابعا دعويا يتجاوز الانتماء العرقي.
كما يبين ستيفن ويزنتال أن قوانين التوراة ودعوات الأنبياء تحتوي على عناصر دعويّة صريحة يمكن للامم الاخرى تبنيها، مما يدل على أن اليهودية لم تكن دينا مغلقا على جماعة عرقية بعينها.
لن اجد خاتمة عن عمليات التهويد التاريخية ونشأتها وتمددها افضل مما ذكره د. شلومو زاند في الفصل الأول من كتابه “عرق متوهم” اختصره بسطور قليلة :
اليهودية ديانة استقطابية تقوم على الاختيار لا على العرق الصرف، وهو ما جسده الحاخام شمعون بن لاكيش في “تفسير تنحوما” بتفضيله المتهود الذي آمن طواعية دون معاينة المعجزات الحسية على من شهدوا واقعة جبل سيناء، معتبرا إياه أحب إلى الرب. هذا التوجه الدعوي أكدته شهادات المفكرين والكتّاب اللاتين منذ القرن الأول قبل الميلاد، حيث أعرب هوراتيوس ويوفيناليس وسينيكا وطاكيطوس عن امتعاضهم وخوفهم من النجاح الكبير الذي حققته اليهودية في جذب النخب الرومانية وفرض عقيدتها على جيرانها. وفي مطلع القرن الثالث الميلادي، خلص المؤرخ ديو كاسيوس إلى أن مسمى “اليهود” بات يشمل كل من يلتزم بقوانين الديانة بغض النظر عن أصله العرقي، وهو ما عزّزه المفسر اوريجينس بتأكيده أن “اليهودي” هو اسم لاختيار أسلوب حياة ومنهج ديني وليس اسما لعرق محدد. ولم يقتصر هذا التحول على الإقناع، بل شمل التهويد القسري كما فعل الحاكم الحشمونائي هركانوس الأول مع الأدوميين حين فرض عليهم التهود بالإكراه عام 135 ق.م، وسار ابنه أرسطو بولس على نهجه وفعل مثل ذلك مع اليطوريون (القبائل العربية في الجليل)، مما أدى إلى انصهار شامل برزت فيه شخصيات قيادية متهودة مثل شمعيا وأفطليون، و هيرودس الكبير الذي كان من أب أدومي وأم عربية، وشمعون بر جيورا زعيم المتمردين، وصولاً إلى الافتراض التاريخي بأن يسوع نفسه قد ينحدر من نسل اليطوريون المتهودون في الجليل، مما يثبت أن الهوية اليهودية تاريخياً كانت وعاء دينيا استوعب أعراقا شتى.
أمام هذه الوقائع المتضافرة الأثرية والتاريخية والنصية والقانونية يصبح استمرار توصيف اليهودية على أنها عرقا أمرا يفتقر إلى السند العلمي ومنافيا له.






