جاري التحميل...

هل انتصرت جغرافيا غزة داخل حماس؟ قراءة في دلالات اختيار خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي

أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2

لم يكن اختيار حركة حماس للدكتور خليل الحية رئيسًا لمكتبها السياسي مجرد انتقال تنظيمي للقيادة، بل حمل في طياته رسائل سياسية وفكرية وتنظيمية عميقة، تتجاوز الأشخاص إلى إعادة تعريف مركز الثقل داخل الحركة. فالسؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا اختارت الحركة خليل الحية، ولم تختر خالد مشعل، أحد أبرز قادتها التاريخيين؟
في تقديري، لا يكمن الجواب في المفاضلة بين شخصيتين، بقدر ما يكمن في طبيعة المرحلة التي تعيشها الحركة. فالحروب الكبرى تعيد دائمًا إنتاج مراكز النفوذ، وتمنح الشرعية لمن كان حاضرًا في قلب الميدان. ومن هنا تبدو جغرافيا غزة عاملاً مؤثرًا في صناعة القرار داخل حماس، وإن لم تكن العامل الوحيد.
لقد تحولت غزة، منذ السابع من أكتوبر وما تلاه من حرب مدمرة، إلى مركز القرار السياسي والعسكري للحركة. وهناك تشكلت القيادة التي أدارت المواجهة، وخاضت المفاوضات، وتحملت الكلفة الإنسانية والسياسية والعسكرية. لذلك، اكتسبت هذه القيادة شرعية نضالية وتنظيمية جعلتها أكثر قدرة على التأثير في خيارات مجلس الشورى.
ويمثل خليل الحية أحد أبرز رموز هذه المدرسة؛ فهو ليس مجرد قائد سياسي، بل شخصية ارتبطت بإدارة ملفات الحرب والتفاوض، ويُنظر إليه باعتباره امتدادًا للنهج الذي مثله يحيى السنوار، بما يحقق استمرارية القيادة ويحافظ على تماسكها في هذه المرحلة الحساسة.
أما خالد مشعل، فلا يمكن التقليل من مكانته التاريخية داخل الحركة. فقد قاد حماس في ظروف إقليمية ودولية معقدة، ونسج شبكة واسعة من العلاقات العربية والإسلامية والدولية. غير أن المرحلة الحالية تبدو مختلفة؛ فهي مرحلة تتقدم فيها الأولويات الميدانية والأمنية على الاعتبارات الدبلوماسية والسياسية، وهو ما جعل كفة قيادة الداخل تبدو أرجح في نظر مؤسسات الحركة.
من هنا، فإن جغرافيا غزة لم تكن مجرد مساحة جغرافية، بل أصبحت جغرافيا للشرعية السياسية والتنظيمية، وجغرافيا لإنتاج القرار داخل حماس. لقد انتقل مركز الثقل من الخارج إلى الداخل، ومن المنفى السياسي إلى الميدان، ومن رمزية القيادة التاريخية إلى واقعية القيادة التي خاضت الحرب.
ومع ذلك، فإن اختزال قرار مجلس الشورى في العامل الجغرافي وحده سيكون تبسيطًا للمشهد. فالقرار جاء نتيجة تفاعل معقد بين الخبرة التنظيمية، والقبول الداخلي، ومتطلبات المرحلة، والتوازنات بين مؤسسات الحركة، إضافة إلى الرغبة في الحفاظ على وحدة الصف واستمرار المشروع السياسي والمقاوم.
لذلك، يمكن القول إن اختيار خليل الحية لا يمثل انتصارًا لشخص على آخر، بل يعكس انتصارًا لمرحلة تاريخية فرضت شروطها على بنية القيادة داخل حماس، وجعلت من غزة، بما تمثله من صمود وتضحيات، المرجعية الأساسية في إعادة تشكيل هرم القيادة واتخاذ القرار.