مع تعقد المشهد الفلسطيني في قطاع غزة يوما بعد يوم، ومع استمرار المعاناة الإنسانية بعد سنوات من الحصار والحروب المتكررة، يعود الجدل من جديد حول طبيعة إدارة القطاع المنهك، وأولويات القوى المسيطرة عليه، وفي مقدمتها حركة حماس، فبينما يطالب الشارع الفلسطيني بتحسين الأوضاع المعيشية وضمان الحد الأدنى من الحرية والكرامة، يرى مراقبون أن الصراع على السلطة ما زال يتقدم على هموم المواطن اليومية.
ويؤكد محللون سياسيون ومختصون بالشأن الفلسطيني في أحاديث منفصلة، على أن حماس، منذ سيطرتها على قطاع غزة عام 2007، ركزت بشكل أساسي على تثبيت حكمها وتعزيز نفوذها الأمني والعسكري، في ظل واقع سياسي وأمني معقد، ومع اقتراب الترتيبات الإدارية الجديدة للقطاع، بما في ذلك تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة الشؤون المدنية، برزت مخاوف من أن تتحول هذه الخطوة إلى غطاء سياسي وإداري يُبقي حماس ممسكة بمفاصل القرار الفعلي في الميدان.
وبحسب هذه الرؤية، فإن محاولات دمج عناصر محسوبة على حماس، بمن فيهم أفراد من أجهزتها العسكرية أو الأمنية، ضمن أطر لجنة التكنوقراط، فإن هذا يعني عمليا استمرار النفوذ والسيطرة غير المباشرة على القطاع، مع تقليص الأعباء المالية والإدارية المترتبة على الحكم المباشر، في وقت يبقى فيه المواطن الغزي هو المتضرر الأول.
ويؤكد المتابعون أن السكان في القطاع دفعوا أثمانا باهظة خلال السنوات الماضية، سواء على صعيد الحروب أو الحصار أو تدهور الأوضاع المعيشية، وأن الأولوية بالنسبة لهم لم تعد الشعارات السياسية أو الصراعات الداخلية، بل الحصول على حياة كريمة، وفرص عمل، وخدمات أساسية مستقرة، ومن هذا المنطلق، تطرح تساؤلات حول مدى التزام أي ترتيبات جديدة بتلبية هذه الاحتياجات بعيدا عن حسابات السيطرة والنفوذ.
ويذهب الكثير من المتابعين، إلى تشبيه النموذج المطروح في غزة بنموذج آخر قائم في المنطقة، وتحديدا تجربة حزب الله في لبنان، حيث يحتفظ الحزب بقوة عسكرية ونفوذ سياسي وأمني واسع، في مقابل وجود حكومة ومؤسسات رسمية تتحمل العبء الاقتصادي والخدمي أمام الشعب.
ويرون بأن هذا النموذج يسمح للقوة المسيطرة بالاحتفاظ بسلاحها وتأثيرها، دون أن تتحمل كامل المسؤولية عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، مشددا على أن نجاح أي إدارة مستقبلية للقطاع يبقى مرهونا بمدى استقلاليتها الحقيقية، وقدرتها على العمل بعيدا عن الهيمنة السياسية أو العسكرية.
كما يؤكد مواطنون أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في شكل الإدارة بقدر ما تكمن في طبيعة السلطة الفعلية على الأرض، فوجود لجنة تكنوقراط، مهما كانت تسميتها، لن يحقق الاستقرار أو التنمية ما لم يرافقه تغيير حقيقي في طريقة الحكم، واحترام للحريات العامة، وضمان لمشاركة شعبية أوسع في صنع القرار.
ويجمع مختصون بالشأن الفلسطيني، على أنه لم يعد خافيا انكماش الفلسطينيين أمام ما يجري واستبعادهم من القرار السياسي بما يتعلق بقطاع غزة، سواء بمجلس السلام أو خطط كوشنر أو مجلس ميلادينوف أو حتى اللجنة الإدارية التي لم يجرِ أخذ رأي الفصائل بالأسماء، بل حاولت حماس الاحتجاج على تسمية قائد الأمن اللواء سامي نسمان، كما قال عضو المكتب السياسي موسى أبو مرزوق دون أن تدرك الحركة أن الأمر خارج سيطرتها وسيطرة غيرها، وأن ما حدث ويحدث ليس واحدا من بروفات المصالحة العابثة التي كان للفصائل خلالها كلمة وكانت تملك ترف الموافقة أو الرفض والتعطيل.
ومع استمرار الأزمات وتراكم الإحباط الشعبي، تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة للتجربة السياسية في قطاع غزة، بما يضع مصلحة الإنسان الفلسطيني في صدارة الأولويات، بعيدا عن صراعات النفوذ والحسابات الفصائلية. فغزة، كما يؤكد كثيرون، لم تعد تحتمل نماذج حكم تُبقي السيطرة بيد جهة واحدة، بينما يتحمل الشعب وحده كلفة الفشل والانسداد السياسي.
في النقاش الذي تديره حماس ما يعكس تأخرا في فهم اللحظة فهي تناقش تغيير مسؤول الأمن باعتباره متهما دون أن تنسى أنها خاضت مع فتح حربا ضروسا وطردتها بالسلاح من غزة، ولكنها تطالبها بالمصالحة ونسيان ما سلف، فيما تنشغل بالموظفين الخاصين بها دون أن تنتبه أن هذه إهانة لكل أهل غزة الذين أفقدتهم الحركة بمغامرتها كل مصادر رزقهم، لكنها لا تفكر سوى بعناصرها،، وهذا قمة العار!!






