منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير من العام 2022، قدّمت أوروبا لنظام الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أكثر من 300 مليار دولار. هذه المساعدات لم تؤتِ أُكُلها، بل على العكس، خسرت أوكرانيا أكثر من خُمس أراضيها، وأعلنت أقاليم انفصالها واستقلالها وانضمامها إلى روسيا.
ومع تدفّق المليارات والعتاد والسلاح، كان النظام الأوكراني يغرق في الفساد، وتمتلئ جيوب مسؤوليه بالملايين من دولارات المساعدات، على حساب سير المعركة، حيث كان من المفترض أن تذهب تلك الأموال لدعم الجيش والجبهات. وتزامن ذلك مع إغلاق زيلينسكي مراكز الشفافية والكشف عن الفساد، بعد افتضاح عمليات النهب والسلب التي تورّط فيها أقرب مساعديه العاملين لصالحه، قبل أن يتراجع عن قراره بضغط أوروبي أميركي.
ومع الركود الاقتصادي العالمي، كانت أوروبا تقتطع من خزائنها، على حساب التنمية، لتغذّي الحرب والجيش الأوكراني، على أمل هزيمة القوات الروسية، وهو ما لم يحصل. واستمر زيلينسكي في المطالبة بالمزيد من الأموال والعتاد بذريعة وقف التقدّم الروسي، مهدّدًا الأوروبيين بأن هزيمته باتت وشيكة، وأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيغزو أوروبا بعد أن يفرغ من أوكرانيا.
أمّا أوروبا، التي كانت عاجزة عن تقديم الخدمات لشعوبها، فقد تذرّعت بالحرب الروسية الأوكرانية وبضرورة دعم نظام كييف لصدّ العدوان الروسي المحتمل في المستقبل. وانعكس ذلك على الخدمات الأساسية، وأظهر فشل الحكومات الأوروبية، فانتفض الشارع في دول، من بينها فرنسا وإيطاليا وبلجيكا، ولا تزال القائمة مرشّحة لمزيد من البلدان التي تشهد مظاهرات تهزّ أركانها.
واستيقظ الأوروبيون والعالم على قرار بوتين وقف تصدير الديزل، ومن بعدها بدأت الأسعار ترتفع شيئًا فشيئًا في الولايات المتحدة والدول الأوروبية. صحيح أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب حثّ نظيره الروسي على إعادة تصدير الديزل، الذي رفع تكلفة نقل البضائع والأسعار، مقابل رفع جزئي للعقوبات عن روسيا.
لكن، في جميع الأحوال، كان التأثير قد حدث، وارتفعت الأسعار بالفعل في أوروبا، التي تحوّلت شوارعها إلى ساحات للاحتجاج.
لقد قدّم الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء ما يقرب من 300 مليار يورو من الدعم الشامل (العسكري والمالي والإنساني) لأوكرانيا منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022 وحتى منتصف عام 2026.
ووصل الإجمالي إلى ما يقرب من 300 مليار يورو، بحسب وثائق وإحصائيات صدرت عن مركز الدراسات والأبحاث التابع للبرلمان الأوروبي.
وخُصّص منها نحو 75.2 مليار يورو للقطاع العسكري، وتزويد كييف بالأنظمة الدفاعية والذخائر والصواريخ.
ووافق قادة الاتحاد الأوروبي على حزم دعم إضافية، من بينها قرض بقيمة 90 مليار يورو لتمويل احتياجات الجيش والميزانية للأعوام (2026–2027). وفي أغسطس 2026، وافق الاتحاد على صرف شريحة عسكرية جديدة ضمن هذه الحزمة، بقيمة 6.1 مليار يورو، لتوفير أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ والذخائر.
أوروبا تعوِّض تراجع الدعم الأمريكي
تشير البيانات إلى تحوُّل ملحوظ في ميزان الدَّعم الدولي لأوكرانيا خلال عام 2025، إذ ارتفعت المساعدات العسكرية الأوروبية بنسبة %67 مقارنة بالسنوات السّابقة، لتصل إلى 28.4 مليار يورو، بينما تراجعت المساعدات العسكرية الأمريكية إلى نحو 400 مليون يورو فقط.
كما ارتفع الدعم الأوروبي غير العسكري بنسبة %59 ليبلغ 32.4 مليار يورو، ما دفع مركز الدراسات الأوروبي إلى التأكيد على أن المساعدات الأوروبية «عوَّضت إلى حد كبير الانسحاب التدريجي للدعم الأمريكي».
وعلى مستوى الدول، تصدَّرت ألمانيا قائمة المانحين الأوروبيين بقيمة 44.4 مليار يورو، تلتها فرنسا بـ 24.1 مليار يورو، ثم المملكة المتحدة بـ 20 مليار يورو، بينما جاءت إيطاليا في المرتبة الرابعة بإجمالي 15.6 مليار يورو، تليها هولندا بـ 14.4 مليار يورو.
حزمة قروض جديدة بقيمة 90 مليار يورو
ويضاف إلى هذه المساعدات اتِّفاق أقرَّه «مجلس الاتحاد الأوروبي» في أبريل الماضي يقضي بمنح أوكرانيا قروضًا جديدة بقيمة 90 مليار يورو في إطار آلية تعاون معزَّزة بين الدول الأعضاء.
وتهدف هذه الحزمة إلى تغطية الاحتياجات المالية لأوكرانيا خلال عامي 2026 و2027، حيث سيُخصَّص نحو 60 مليار يورو لتعزيز القدرات الصناعية الدفاعية الأوكرانية، بينما ستُوجَّه 30 مليار يورو لدعم الموازنة العامة وبرامج الإصلاح الاقتصادي والإداري.
دعم دولي أوسع بقيادة صندوق النقد
وفي سياق متصل، وافق المجلس التنفيذي لـ «صندوق النقد الدولي» في فبراير 2026 على برنامج تمويل جديد يمتد لأربع سنوات بقيمة 5.9 مليارات وحدة حقوق سحب خاصَّة، ضمن حزمة دعم دولية أوسع تصل قيمتها إلى 136.5 مليار دولار، وتهدف إلى دعم الاستقرار المالي وإصلاح الاقتصاد الأوكراني.
كما تعتمد بعض آليات السداد الخاصَّة بالقروض الدولية على العائدات المتأتية من الأصول السيادية الروسية المجمَّدة، في إطار ترتيبات مالية جرى الاتِّفاق عليها بين الدول الدّاعمة لِـ «كييف».
تعكس الأرقام الجديدة حجم الالتزام الأوروبي غير المسبوق اتِّجاه أوكرانيا منذ بداية الحرب، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي. وفي الوقت نفسه، تؤكِّد على أنَّ استمرار هذا الدَّعم يرتبط إلى حدٍّ كبيرٍ بقدرة «كييف» على مواصلة الإصلاحات وتعزيز الشفافية والمؤسَّسات الديمقراطية، بالتوازي مع مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية النّاجمة عن الحرب المستمرَّة.
لقد خسرت أوروبا الرهان، وانقلب الرئيس الأميركي على حليف أميركا السابق في كييف، الذي وصفه بأنه «أثرى متسوّل في العالم»، وعمل على إيقاف الدعم عن أوكرانيا، بعد أن تذمّرت الشعوب الغربية من تحمّل كلفته على حسابها وحساب تنميتها.