هل يمكننا القول إن الروائي السوداني الطيب صالح كان قادرًا على استشراف المستقبل؟ فقد أدرك أن عددًا لا بأس به من أبناء شعبنا العربي سيغادر أرض الجنوب مهاجرًا إلى الشمال، بما في ذلك هجرة العقول والخبرات، والتي سُمِّيت فيما بعد بـ “لعنة الطيب صالح” من خلال روايته الهامة (موسم الهجرة إلى الشمال).
لقد حُكِم على منطقة جنوب الكرة الأرضية، ومن ضمنها الشرق الأوسط، بأن تظل بقعة مكللة بالفقر والتخلّف والجهل. وإذا كان هناك موسم للهجرة في رواية الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال)، فإن الواقع المعاصر أفرز مواسم متعددة للهجرة واللجوء نحو الشمال والغرب الغني والمتطور والمسيطر. فالهجرة عند الطيب صالح كانت من الجنوب إلى الشمال، لكنها تشمل الشرق بأكمله.
في الماضي، وعلى مدى مئات السنين، كانت الهجرة في معظمها طوعية، وهذا صحيح بكل المقاييس. فقد كان الشرق طاردًا، والغرب جاذبًا. إذ خلق الاستعمار حالة من الحراك الاجتماعي دفعت بالشرقي إلى عوالم لم يكن يسمع بها من قبل، فهرب من الفقر والقمع وأبشع وسائل التعذيب والسحل والتهميش، إلى عالم منفتح ومتطور، يجد فيه فرصًا للحياة التي حلم بها. لقد تحوّل “سحر الشرق” إلى حلم يسعى لتحقيقه في عالم يقوم على الأمن والطمأنينة والوفرة، ويعتمد على البحث العلمي والتصنيع.
من وجهة نظري الشخصية، سيبقى الشرق شرقًا، والغرب غربًا، والشمال شمالًا، والجنوب جنوبًا، في إطار معادلة جيوسياسية ثابتة. وستظل “لعنة الطيب صالح” تطارد البشر ما دامت الحروب تستعر في مناطق الفقر والجهل والتخلف، وما دام هناك من ينهب الثروات ويبددها. فطالما كان من يصنع الحروب ويكوي الناس بنارها هو نفسه الملاذ للهروب من الجحيم، فإن المأساة ستتكرر.
وما نشهده اليوم ليس إلا استكمالًا لما بات يُعرَف بـ “لعنة الطيب صالح”.
فهل من حل؟