مقدمة
ليس عبور الأعوام انتقالًا سحريًا من واقعٍ إلى آخر، ولا قفزةً زمنيةً نحو خلاصٍ جاهز. إنّه مجرّد استمرارٍ لمسارٍ واحد، تتراكم فيه نتائج أفعالنا، وتُعيد الأيام إنتاج ما صنعناه بالأمس والحاضر. ومع ذلك، يبقى مطلع كل عام مساحةً رمزية للأمل، ومرآةً نراجع فيها ما كنّا عليه، وما نريد أن نصير إليه.
لم تمضِ سوى أيام قليلة على انتقالنا من عام 2025 إلى 2026، ومع هذا العبور يتجدّد حلم الإنسانية بعالمٍ أقل قسوة: بلا حروب ولا كوارث، بلا فقر ولا تشريد، وبلا أنظمةٍ فاسدة تصادر الكرامة وتخنق الحرية. حلمٌ مشروع، بل حقّ إنساني أصيل، غير أنّ إدراكه يقتضي وعيًا صريحًا بأن الزمن لا يمنحنا مستقبلًا مختلفًا ما لم نغيّر شروط الحاضر. فالمستقبل ليس هبةً، بل حصيلة؛ وهو مرآة لأفعالنا، لا لأمنياتنا.
إنّ نظرةً سريعة إلى العالم تكشف تباينًا حادًا بين دولٍ نجحت في بناء الإنسان والمؤسسات، فحصدت الاستقرار والرفاه، وأخرى غرقت في الفوضى بسبب فساد نخبها، وارتهان سلطتها للأجهزة القمعية أو للخارج، وتغذية الانقسامات الطائفية والعرقية. في النموذج الأول، كانت القيادة الرشيدة، والوعي المجتمعي، والعمل الدؤوب عوامل حاسمة في تجاوز المآسي التاريخية وتحويلها إلى مشاريع نهضة. وفي النموذج الثاني، تحوّل الفساد إلى ثقافة، والعنف إلى أداة حكم، فانهارت الدولة وتآكل المجتمع.
أما في الجغرافيا العربية، فقد خلّفت الصراعات والنزاعات، ولا سيما ما تلا ما سُمّي بالربيع العربي، عقدًا ثقيلًا من الدمار والقتل والتشريد. انتقلت دولٌ من عامٍ إلى آخر من دون أن تلامس الاستقرار، وبقي الحلم يتجدّد مع كل عام جديد من دون أن يجد طريقه إلى التحقق. العراق ما زال يدفع أثمان الاحتلال والتفكيك، وليبيا عالقة في انقسامها المسلّح، واليمن غارق في صراعٍ يستنزف الإنسان والحياة، وسورية ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية والدولية، والسودان يتخبّط في صراع السلطة، ولبنان أسير عجزٍ سياسي وارتهانٍ خارجي، فيما بقيت تجارب أخرى متأرجحة بين الأمل والانتكاس.
خاتمة
إنّ الأمل بعامٍ أفضل لا يكفي وحده لصناعة الغد. فالنهضة لا تصنعها الأمنيات، بل تبنيها القيادة الواعية، والوعي الشعبي، والعمل الجاد، والالتفاف حول الدولة بوصفها إطارًا جامعًا لا غنيمة. وما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم ليس انتظار الخلاص، بل صناعة شروطه: دستورٌ عادل، قانونٌ نافذ، توزيعٌ منصف للثروة، واصطفافٌ أخلاقي وعقلي في مواجهة الفساد والعنف والإرهاب، بما فيه الإرهاب الفكري. عندها فقط، يمكن لعبور الأعوام أن يكون خطوةً نحو مستقبلٍ أفضل، لا مجرّد تبدّلٍ في التقويم.
هل عبرنا العام الجديد نحو مستقبلٍ أفضل؟
بقلم: عماد خالد رحمة – برلين





