نحو تأسيس علم النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي: مقاربة سوسيولوجية في بنية المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني
د.صالح الشقباوي
يُعدّ النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي من أكثر النزاعات تعقيداً واستمرارية في التاريخ المعاصر، لأنه لا يقوم على التنافس السياسي وحده، بل تتداخل فيه الأبعاد الدينية والتاريخية والقومية والجغرافية والثقافية. ومن هنا برزت الحاجة، خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، إلى بلورة إطار معرفي مستقل يمكن تسميته علم النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي بوصفه حقلاً معرفياً داخل علم الاجتماع السياسي، يدرس بنية الصراع، وآليات إنتاجه وإعادة إنتاجه، والقوى الاجتماعية والسياسية التي تمنحه القدرة على الاستمرار.
إن هذا الحقل لا ينطلق من تفسير الصراع بوصفه حدثاً عسكرياً أو سياسياً عابراً، وإنما باعتباره ظاهرة اجتماعية مركبة، لها قوانينها الداخلية، وتوازناتها، وبنيتها الفكرية، وقابلة للتحليل العلمي من خلال دراسة المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي معاً.
إن المجتمع الإسرائيلي ليس كتلة اجتماعية متجانسة، بل هو مجتمع متعدد الانقسامات؛ إذ تتداخل داخله الهويات الدينية والعلمانية، والاتجاهات اليمينية واليسارية، والفوارق الإثنية والثقافية بين اليهود القادمين من أصول أوروبية وشرقية وإثيوبية وغيرها. كما تتباين الرؤى حول طبيعة الدولة، وحدودها، ومستقبل علاقتها بالفلسطينيين. وقد أسهمت هذه التناقضات الداخلية في إنتاج سياسات متباينة تجاه عملية السلام، وتجاه مستقبل الأراضي الفلسطينية.
وفي المقابل، فإن المجتمع الفلسطيني هو الآخر مجتمع ديناميكي، تشكل عبر تجربة تاريخية طويلة من النكبة والاحتلال واللجوء والمقاومة وبناء الهوية الوطنية. وقد عرف هذا المجتمع تعددية سياسية وفكرية وتنظيمية، انعكست في اختلاف البرامج والرؤى بين القوى الفلسطينية المختلفة، مع بقاء الإجماع قائماً على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
إن علم النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي لا يكتفي بتحليل التناقض بين المجتمعين، بل يدرس كذلك القوى الداخلية المحركة للصراع داخل كل مجتمع، وكيف تؤثر التحولات الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية في إعادة تشكيل موازين القوة، وفي إنتاج خطابات جديدة للحرب أو السلام.
ومن هذا المنطلق، فإن السؤال: هل فشلت فكرة تحرير الأرض المقدسة من غير اليهود؟ لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره سؤالاً دينياً مجرداً، وإنما بوصفه سؤالاً سياسياً واجتماعياً يتعلق بإمكان تحويل الرواية الدينية إلى مشروع سياسي دائم. لقد أظهرت التجربة التاريخية أن الاعتماد على منطق الإقصاء الكامل للطرف الآخر لم يؤدِّ إلى إنهاء الصراع، بل أسهم في تعميقه وإطالة أمده، لأن الأرض بقيت فضاءً يتقاسم تاريخها وهويتها شعبان يرتبط كل منهما بها بروايته الوطنية والتاريخية.
إن استمرار النزاع لعقود طويلة يؤكد أن أياً من الطرفين لم يتمكن من إلغاء الآخر، وأن الوقائع الاجتماعية والديموغرافية والسياسية تجاوزت التصورات التي تقوم على الاحتكار الكامل للأرض أو الهوية أو التاريخ.
ومن هنا، فإن علم النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي ينبغي أن يتجه نحو دراسة شروط الانتقال من الصراع إلى التسوية، ومن إدارة النزاع إلى معالجته، وذلك عبر فهم عميق لبنية المجتمعين، ولمصادر القوة والتوتر فيهما، بعيداً عن التفسيرات الأيديولوجية المغلقة.
الخاتمة
إن المستقبل لا يصنعه استمرار الحروب، بل يصنعه الاعتراف بالحقائق التاريخية والسياسية والاجتماعية. ولذلك، فإن إنهاء النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي يتطلب رؤية تقوم على الاعتراف المتبادل، واحترام الحقوق الوطنية، وتحديد حدود جغرافية واضحة لدولتين تعيشان جنباً إلى جنب في وطن واحد، بما يحقق الأمن والكرامة والاستقرار للشعبين، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة يكون فيها الحوار بديلاً عن الصراع، والتنمية بديلاً عن المواجهة، والإنسان بديلاً عن منطق الإقصاء.
بقلم: د. صالح الشقباوي