هل مات الوطني محمود درويش ؟؟؟؟

بقلم : شادي عياد

هل مات محمود درويش فعلًا؟
أم أننا نحن الذين متنا حين تركناه يرحل وحده؟

أسأل السؤال كما لو أنني أوقظ ذاكرة الوطن من نومٍ ثقيل. هل غاب الجسد فقط وبقي النص؟ أم أن النص أيضًا تعب من تكرار نفسه فوق مسرحٍ تغيّر ممثلوه ولم يتغيّر المشهد؟

أحتاجه أن يعود بحق لا لقصيدةٍ جديدة ، بل لمراجعة القصيدة القديمة. أحتاجه لربع ساعة فقط ليجلس بيننا بلا منبر وبلا تصفيق وبلا احتفال رسمي. ينظر في عيوننا ويسألنا: ماذا فعلتم بالوطن الذي تركته بين أيديكم أمانة؟

قال ما قال عن الحرية وكتب عن الحلم ورفع اللغة إلى مرتبة السلاح النظيف. حاول أن يجعل من الوطنية معنى أخلاقيًا قبل أن تكون شعارًا. سأل كثيرًا وطلب كثيرًا وراهن على الإنسان الفلسطيني حين يكون أكبر من جراحه وأكبر من سلطته وأكبر من خوفه.

واليوم ماذا بقي من تلك الكلمات؟
هل بقي منها غير الاقتباسات على الجدران؟
هل بقي منها غير منشورات في مواسم الحنين؟

الوطنية التي أرادها مساحة كرامة أصبحت في أحيان كثيرة مساحة تصفية حساب، والثورة التي أرادها فعل تحرر صارت لدى بعضهم وظيفة دائمة لمدى الحياة وبلا حساب والذين كانوا ثوارًا في عهده ما زال كثير منهم على قيد الحياة “لحسن الحظ “يمسكون زمام الأمور ويتحدثون باسم التاريخ، لكنهم ينسون أن التاريخ لا يمنح صكوك براءة أبدية.

شيء ما انكسر بين القصيدة والواقع.
وبين الحلم والإدارة.
بين الدم الذي سال يومًا ليكتب معنى الوطن وبين الكلمات التي تُقال اليوم لتبرير كل شيء ضدنا وضد الوطن .

لا أتهم أحدًا بعينه ولا أبرئ أحدًا بعينه ولكنني أعرف أن فينا من يقتل المعنى كل يوم باسم المعنى، ويرفع شعار الوطنية وهو يضيق على المختلف. يتحدث عن الثورة وهو يخاف من أي تجديد ويتغنى بفلسطين لكنه يختزلها في موقع أو منصب أو صورة أبدية .

آخ آخ بس لو عاد محمود درويش لربع ساعة فقط فلربما سيغيّر بعض كلماته وربما سيكتب قصيدة أكثر قسوة وربما سيعتذر من اللغة لأنها لم تعد تكفي وربما سيصمت لأن الصمت أحيانًا أصدق من خطبٍ طويلة.

أنا لا أبحث عن شاعر بل ابحث عن ضمير .

أسأل إن كان قد مات لأنني أرى أن ما كان يحذر منه يحدث أمامنا وأرى الحلم يبهت وأرى الناس تتعب وأرى الشباب يبحثون عن معنى فلا يجدونه في خطابٍ قديم ولا في وجوهٍ بائسة لم تتغير.

ومع ذلك فأنا لا أريد أن أصدق أنه مات بالكامل.
لأن درويش الحقيقي ليس الجسد الذي غاب بل الفكرة التي يجب أن تُراجعنا كل صباح.

إن كان قد مات حقا فلنحيِ نحن ما كتبه بصدق جديد وان كان حيا فينا فلنخف قليلا من كلماته.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لوطنٍ ما ليس أن يفقد شعراءه بل أن يفقد المعنى الذي كتبوا وعاشوا وماتوا من أجله، ثم يضيع الوطن .

مع كامل الاعتذار لك ايها الوطني العنيد