هل من نهضة عربية نلج من خلالها إلى الحداثة؟

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

الحداثة، أو العصرنة، ليست مجرد تجديد شكلي أو تقني، بل هي رؤية شاملة تعيد صياغة الفكر والحياة، وتعيد الإنسان إلى موقعه الفاعل في التاريخ. إنها مرحلة تتسم بتسارع التطور، كما شهدتها أوروبا الحديثة، حيث تشابكت المعرفة والعلم والصناعة والسياسة، لتخلق مجتمعاً يتفاعل مع ذاته ومع العالم بوعي وحركة مستمرة.
تاريخياً، يمكن تقسيم الوجود البشري إلى خمسة مراحل: ما قبل التاريخ، التاريخ القديم، العصور الوسطى، العصر الحديث، وما بعد الحداثة. في الغرب الأوروبي، طغت فكرة ما بعد الحداثة قبل غيرها، لتفتح آفاقاً جديدة للفكر والإبداع، وتعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والتقنية، بين العلم والمعرفة، بين الفرد والمجتمع. الحياة الحديثة تغذت من الاكتشافات العلمية، من فهم موقع الأرض في الكون، ومن ثورة الصناعة والآلات، وصولاً إلى الأقمار الصناعية والشرائح الذكية والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. هذا التفاعل بين القديم والجديد لا يعجل حركة الحياة فحسب، بل يصنع قوى جديدة، ويعقد العلاقات الاجتماعية، ويعيد تشكيل الصراعات الطبقية، ويبعد الملايين عن تاريخهم وموروثهم، ليعيد صياغة وعي الإنسان وعلاقته بالعالم.
في السياق العربي، ارتبطت الحداثة بالبنية العمرانية والمدنية، بالتمدين وبناء المدن، قبل أن تمتد تدريجياً إلى الفكر والثقافة. وهنا يظهر التحدي: الحداثة ليست مجرد بناء أو تقنية، بل مجتمع متطور، مؤسسات فاعلة، ووعي قادر على استيعاب التغيرات. وقد ارتبطت الحداثة في أوروبا بالنظم التعاقدية، حيث الشعب مصدر السلطات، لكن في بداياتها لم تتغلب على التفاوت الاجتماعي، وظلت المجتمعات الأوروبية الكبرى تعيش تناقضات حادة انعكست على الفكر والثقافة.
لقد تعايشت عبر التاريخ، منذ الإغريق وحتى العصر العربي، الأفكار المحافظة مع العقل المجدد. ففي حضارة الإغريق، وجدنا الماديين والرواقيين والأبيقوريين، وفي العصر العربي، المعتزلة والأشاعرة، وشعراء كأبي تمام وحبيب بن أوس، الذين مثلوا ذروة الفكر الحضاري. الفكر المحافظ تمسك بالمقولات التقليدية: “ليس بالإمكان أبدع مما كان”، بينما المجدد استلهم قوانين الحركة والتغير، كما عبر هرقليطس: “لا يمكنك أن تسبح في ماء النهر مرتين”، مؤكداً أن التغير جوهر الوجود.
لكن العرب تأخروا عن الحداثة نتيجة تراكمات تاريخية: الحروب الصليبية، غزوات المغول والتتار، الاحتلال العثماني، والاستعمار الحديث، التي دمّرت المعرفة، وأعاقت نبتات النهضة والتنوير. وكان لهذا أثر عميق على المجتمع العربي، حيث غاب المشروع الاستراتيجي للتحول نحو الحداثة، وغياب الحامل الاجتماعي الذي ينقل المجتمع من حالته التقليدية إلى مجتمع فاعل وحداثي.
في المقابل، انتقلت أوروبا إلى الحداثة عبر عقود طويلة، منذ الإصلاح الديني في فرنسا وألمانيا، مروراً بفكر روسو، مونتيسكيو، لوك، هوبز، وأدباء مثل فيكتور هيجو وفولتير. هذه الأفكار أرسَت أسس ما بعد الثورة الصناعية، وأطلقت الحريات والحقوق الفردية، وأسست لنمط متكامل من المواطنة والدولة العقدية.
الحداثة العربية لم تولد بعد، وما زالت القوى الاجتماعية والسياسية غير مؤهلة لتحمل مشروع النهوض الشامل. ومع ذلك، يظل الوعي بهذه الحقيقة نافذة أمل، فالإدراك الكامل لواقع التخلف البنيوي في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة هو الخطوة الأولى نحو الإصلاح. إن آليات النهوض، مؤسسات قوية، وعدالة اجتماعية، وحرية التعبير والفكر، هي الأساس لأي تقدم حقيقي.
الولوج العربي إلى الحداثة يتطلب وعيًا جديدًا، ينقل العرب من موقع النسخ والنقل إلى موقع الفعل والإبداع، مستفيدين من تراكم حضارتهم وتراثهم الغني. يجب رفع سقف حرية الرأي والتعبير، تطبيق العدالة والمساواة، وتجريم ثقافة الكراهية، وتعزيز التفكير النقدي والإبداع، والانتصار للعلم والمعرفة الإنسانية، والتخلي عن ثقافة التلقين والتكرار، مع اعتماد التحليل والتفكيك كما في نظرية جاك دريدا، وتشجيع البحث العلمي بكل أشكاله.
إن النهضة العربية، إذا أسست على هذه المبادئ، لن تكون مجرد تقليد للحداثة الغربية، بل رؤية عربية فاعلة، تجمع بين إرثنا الحضاري وقدرتنا على التفاعل مع التحولات العالمية. رواية الحداثة العربية المستقبلية هي مشروع مجتمع واعٍ، حر، مبدع، قادر على مواجهة التحديات، وصياغة الإنسان والعالم وفق رؤية فكرية وثقافية واجتماعية متقدمة.
في النهاية، الولوج إلى الحداثة ليس خياراً، بل ضرورة مصيرية، حيث الإنسان العربي مدعو للانتقال من حالة المتلقي إلى حالة الفاعل، ليكون الحداثة أداة تحرير لا عبودية، ووعيًا لا تقليدًا، ومعركة مستمرة بين ما هو ثابت وما يمكن تغييره، بين إرث التاريخ وإمكانية المستقبل.