جاري التحميل...

هل يتبرأ فانس من إرث ترامب؟

السياسي – لم تكن التصريحات التي أدلى بها نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، الأربعاء، مجرد تقييم عابر لنتائج انتخابات التجديد النصفي؛ بل شكّلت في جوهرها إعلان مكاشفة سياسية غير مسبوقة “زلزلت” أركان الحزب الجمهوري، وكشفت عن عمق التصدعات داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب.

ولم يكتفِ فانس، الذي اعترف علناً بوجود “كثير من الخلافات الداخلية والجدال حول ما حدث في الانتخابات”، برصد الهزيمة التاريخية التي منحت الديمقراطيين السيطرة الكاملة على مجلسي النواب والشيوخ، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بتحميل “الحرب في إيران” المسؤولية المباشرة عن هذا الإخفاق المدوّي.

ووضعت هذه القراءة العلنية الخطاب السياسي للإدارة أمام مفترق طرق، حيث يتواجه منطق “الاعتراف بالأخطاء والعودة إلى الداخل” الذي يقوده فانس، مع منطق “الدفاع والمكابرة” الذي يتمسك به الرئيس ترامب؛ ما يفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات إعادة تشكيل الخريطة السياسية الأمريكية.

وترى مصادر غربية أن تصريحات فانس عكست مرارة الخسارة التي تجرعها المعسكر الجمهوري، بعد أن أظهرت صناديق الاقتراع تحولاً جذرياً في مزاج الناخب الأمريكي، وخاصة الكتلة التصويتية التي منحت ترامب الفوز في عام 2024.

وتؤكد المصادر أن موقف نائب الرئيس يمثل محاولة واضحة للنأي بنفسه، ومعه تيار متنامٍ داخل الحزب، عن التبعات الكارثية للسياسة الخارجية الحالية.

وتضيف أن فانس حدد بدقة أسباب تراجع التأييد، مشيرة إلى أن المواجهة مع إيران، وما رافقها من قفزات غير مسبوقة في معدلات التضخم وغلاء المعيشة، واستنزاف مخزون السلاح الأمريكي، كانت الوقود الذي دفع الناخبين إلى معاقبة الحزب الحاكم.

في المقابل، جاءت ردود فعل الرئيس ترامب عبر إطلالاته الإعلامية لتؤكد حجم الفجوة؛ حيث واصل الدفاع عن الصراع بوصفه خطوة استراتيجية ضرورية، معتبراً أن الشارع الأمريكي سيدرك قيمتها لاحقاً.

وتوضح المصادر الغربية، أن التباين الحاد في الرؤية بين الرجل الأول والرجل الثاني في البيت الأبيض يتجاوز حدود الاختلاف الطبيعي في التقدير، ليدخل في إطار الصراع العلني على تحديد هوية الحزب ومستقبله السيادي.

وحظيت التطورات في الساحة الأمريكية بمتابعة دقيقة من قِبل مراكز الأبحاث والمؤسسات السياسية الدولية، التي ترى في الانقسام الراهن دليلاً على أزمة أعمق تتعلق بحدود القوة الأمريكية وقدرتها على إدارة جبهات متعددة.

وفي هذا السياق، يشير تقرير صادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية وقعت في فخ “الإنهاك الاستراتيجي”.

ويرى المعهد، أن تركيز البيت الأبيض على توسيع رقعة المواجهة مع إيران، وتوفير غطاء عسكري وسياسي مطلق لعمليات إسرائيل، أدى إلى فجوة خطيرة بين الطموحات الجيوسياسية للإدارة والواقع الاقتصادي للمواطن الأمريكي.

وبحسب القراءة المؤسسية، فإن تصريحات فانس لم تكن سوى انعكاس لهذا التقرير الواقعي؛ حيث لم يعد بمقدور واشنطن تسويق الحروب الخارجية في ظل أزمة تضخم محلي تلتهم القدرة الشرائية للطبقة الوسطى.

من جانبه، يعتبر معهد بروكينغز أن انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 تمثل “استفتاءً شعبياً على كلفة الهيمنة”.

ويوضح المعهد، أن تراجع الحزب الجمهوري في الولايات المتأرجحة يعود بالأساس إلى شعور الناخبين بأن إدارة ترامب قدمت مصالحها الخارجية على حساب الأمن الاقتصادي الداخلي.

ويرى باحثو المعهد، أن اعتراف فانس بالهزيمة وبأسبابها يمثل خطوة استباقية لحماية ما تبقى من الرصيد السياسي للتيار المحافظ، ومحاولة لإعادة توجيه البوصلة نحو شعار “أمريكا أولاً” بمفهومه الاقتصادي الحقيقي، وليس العسكري الحمائي.