ليس هذا السؤال طارئًا في مسار الفكر، بل هو توترٌ دائم يسكن قلب الفلسفة، يظهر كلما حاول الإنسان أن يحرر وجوده من قوالب الجاهز، وأن يستعيد حقه في أن يكون ذاته لا ظلّ غيره. فالحداثة، في جوهرها، ليست انقلابًا في الزخارف ولا تبديلًا في الأساليب، بل هي طريقة جديدة في الوجود، شكل آخر من أن يكون الإنسان في العالم.
الكينونة ليست مجرد حضور فيزيائي، بل هي وعيٌ بالذات في علاقتها بالزمن والمعنى والاختيار. أن تكون، معناه أن تصنع نفسك باستمرار، وأن تنقض ما أنت عليه لتصير ما يمكنك أن تكونه. ومن هنا، تبدو الحداثة الاسم التاريخي لهذه الحركة الوجودية: حركة الخروج من السكون، والقطيعة مع المكرور، والجرأة على تأسيس المعنى من جديد.
في هذا الأفق، يغدو الإبداع فعلًا أنطولوجيًا قبل أن يكون جماليًا. فالمبدع، حين يكتب أو يرسم أو ينحت، لا يضيف شكلاً إلى أشكال العالم، بل يضيف طريقة جديدة لوجوده. العمل الإبداعي هو كينونة متجسدة، لحظة كثيفة تقول: هكذا يمكن للإنسان أن يرى، وهكذا يمكن للعالم أن يُفهم. لذلك لا تكون الحداثة في الأدب مجرد تغيير في القافية أو تفكيك في البنية، بل تحوّلًا في نظرتنا إلى الذات، واللغة، والواقع.
الأدب الحديث لا يكتفي بأن يحكي، بل يسائل الوجود ذاته. اللغة فيه لم تعد أداة وصف، بل صارت مجال خلق. الشاعر أو الروائي الحديث لا ينقل العالم كما هو، بل يعيد تكوينه عبر الرؤية، فيجعل من النص فضاءً تتصارع فيه الأسئلة: من أنا؟ ما معنى الزمن؟ كيف يُحتمل الفقد؟ أين تقيم الحرية؟ بهذا المعنى، يغدو النص الأدبي ممارسة للكينونة، وتمرينًا على أن نكون بعمق أكبر مما نحن عليه في الحياة اليومية.
الحداثة ليست حكرًا على أمة ولا على عصر، بل إمكانية مفتوحة حيثما وُجد وعيٌ يرفض أن يعيش مستعارًا. إنها ثورة الكينونة حين تضيق بما ورثته، وتصرّ على أن تخلق مصيرها بنفسها. قد تبدأ في فرد، في قصيدة، في رواية، في فكرة شاردة، لكنها سرعان ما تتحول إلى أفق لجماعة أو لأمة.
من هنا، لا تكون الدعوة إلى الحداثة استيرادًا لنماذج جاهزة، بل نداءً داخليًا للكينونة أن تنهض. الأمة التي لا تباشر ذاتها، ولا تدخل مغامرة الاختلاف الشامل، ستظل حداثتها قشرة بلا لب، ومظهرًا بلا روح. الحداثة الحقة لا تُقلَّد، بل تُخترَع، لأنها الوجه التاريخي للكينونة حين تعي نفسها وتختار وجودها.
وحين تفرض الأمة كينونتها بالمعنى لا بالقهر، فإنها في اللحظة ذاتها تصنع حداثتها الخاصة. عندئذ فقط يمكن الحديث عن حداثة عربية في الأدب والفكر، لا بوصفها نسخة عن حداثات أخرى، بل بوصفها تعبيرًا عن ذاتٍ امتلكت شجاعتها على أن تكون. فحيثما تحققت الكينونة فعلًا حرًا، تحققت الحداثة زمنًا لهذا الفعل؛ وحيثما خُنقت الكينونة، صار الأدب زخرفًا لغويًا بلا روح، وصارت الحداثة صدى بلا صوت.








