هل يعرف العرب الفرح؟ في أنطولوجيا الحزن واستقالة البهجة:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

 

ليس الفرحُ في التجربة العربية طارئًا، بل هو الغائبُ الأكثر حضورًا. نعرفه بوصفه استثناءً، عثرةً في مجرى النواح العام، لا بوصفه حقًّا وجوديًا أو قيمةً إنسانية أصيلة. كأنّ الوعي الجمعي صاغ معادلته الكبرى على النحو الآتي: الحزنُ أصل، والفرحُ شبهة؛ البكاءُ طقس، والضحكُ يحتاج إلى تبرير أخلاقي أو ديني أو سياسي. ومن هنا لا يُستغرب أن يستعيذ الناس بالله من “شيطان الفرح”، كأنّ الابتهاج انحرافٌ عن الجادة، لا اكتمالٌ للحياة.
لقد اصطبغت المخيّلة العربية، تاريخيًا، بطبقاتٍ كثيفة من النواح: تموزيًّا كان أم عشتاريًّا، ثم عاشورائيًّا وقد تحوّل من ذاكرة احتجاج أخلاقي على الظلم إلى جهاز دائم لإنتاج الحزن. لم يعد النواح لحظةً رمزية عابرة، بل صار نمطًا للعيش، لغةً للوجود، بلاغةً مهيمنة تفسّر العالم من زاوية الفقد وحده. وهكذا ضاقت مساحة الفرح لا لأنّ الحياة تخلو من أسبابه، بل لأنّ الوعي أُعيدت برمجته على استقبال الألم وحده، وعلى الارتياب بكلّ ما يخرج عن هذا النسق.
وإذا كان الدين، في جوهره، وعدًا بالمعنى والسكينة، فإنّ الخطاب الديني المعاصر – بنسخه النارية ومنابره الفضائية – ساهم في تعميم اقتصاد الخوف، لا في تحرير الضمير. صار الوعظ تدريبًا على الذعر، وصارت السماء نفسها شاشةً أخرى للبثّ المستمر للعقاب. في المقابل، لم يسلم المسيحي العربي من هذا المناخ؛ فالمشهد العام، بما يحمله من مذابح يومية وصور دم لا تتوقف، أعاد تشكيل الحساسية الجمعية على نحوٍ يجعل الفرح يبدو خيانةً للضحايا، أو نسيانًا غير أخلاقي للجراح المفتوحة.
وهنا يتقاطع الواقع مع الثقافة، والتاريخ مع الأدب. فقد لاحظ المؤرخون أنّ دانتي، في “الكوميديا الإلهية”، كتب عن الجحيم ما لم يكتبه عن الفردوس، وملأ مجلدًا بالنار والعذاب، مقابل صفحات شحيحة عن الفرح والخلاص. ليس هذا صدفةً جمالية محضة، بل أثرٌ من آثار التراث البكائي الذي وصل إلى أوروبا عبر قنوات عربية، وكان أبو العلاء المعرّي أحد أعلامه الكبار. فالثقافة التي تُجيد توصيف الألم بإسهاب، غالبًا ما تعجز عن تخيّل الفرح إلا بوصفه فراغًا لغويًا أو فكرةً مجرّدة.
غير أنّ المأساة الأعمق لا تكمن في وفرة الحزن، بل في تحوّله إلى هوية. ففي حمى السعار الطائفي، لم يعد ثمة وقت حتى لفرح العيد، ولا معنى للعطلة، لأنّ الأيام جميعها متشابهة بقدر تعلّقها بالعنف. الحوار يُدار باللكمات لا بالكلمات، والعقل في إجازة مفتوحة، فيما تتولى الغرائز إدارة المشهد. تكفي دقيقة واحدة – لو وُجدت – ليسأل الجميع عن حصاد هذا الهشيم: ما الذي ينتجه هذا الجمع المتراكم من الدماء والدموع؟ وأيّ مصبٍّ ينتظر هذا السيل غير الهاوية؟
سيقال، بالطبع، إنّ مثل هذه الأسئلة فقدت جدواها، وإنّ المواعظ لم تعد صالحة لعصر الصمم العام. فاللحظة عمياء، لا ترى أبعد من فوهة البندقية، وكلّ ما في المشهد مصبوغ بلون الليل: قمرٌ غائب، ونجمةٌ لم تَعُد تهتدي بها القوافل. لكنّ هذا الاعتراض نفسه دليل الإدانة؛ إذ إنّ الاستسلام لعمى اللحظة هو الوجه الآخر لاستقالة الإنسان من مسؤوليته الأخلاقية والتاريخية.
إنّ السؤال الحقيقي ليس: هل يعرف العرب الفرح؟ بل: هل سُمِح لهم أن يعرفوه؟ وهل أُتيح للفرح أن يتحوّل من لحظة مشبوهة إلى ممارسة ثقافية، ومن ترفٍ نفسي إلى فعل مقاومة؟ فالفرح، في وجهه العميق، ليس ضحكًا ساذجًا ولا نسيانًا للألم، بل قدرة على انتزاع المعنى من قلب المأساة، وعلى القول إنّ الحياة – رغم كل شيء – تستحق أن تُعاش لا أن تُندب إلى الأبد.
لعلّ الخروج من أنطولوجيا الحزن لا يبدأ بإلغاء الذاكرة، بل بتحريرها من الاحتكار البكائي؛ بإعادة التوازن بين الفقد والأمل، بين المأساة والبهجة، بين الجرح وإمكانية الشفاء. عندها فقط، قد يتعلّم العربي أن يفرح بلا شعور بالذنب، وأن يضحك بلا استغفار، وأن يدرك أنّ الفرح ليس خيانة للتاريخ، بل شرطٌ لئلا يتحوّل التاريخ نفسه إلى مقبرة مفتوحة.