أستاذ علم الاجتماع والفلسفة – جامعة الجزائر
تدخل حركة فتح اليوم واحدة من أخطر مراحلها التاريخية منذ انطلاقتها الأولى، ليس بسبب صراع تنظيمي عابر، بل لأن الحركة تواجه سؤال الوجود والهوية والشرعية معاً. فالمؤتمر الثامن القادم لا يُنظر إليه كاستحقاق تنظيمي فقط، بل كمحطة فاصلة ستحدد شكل فتح بعد مرحلة محمود عباس، وطبيعة النظام السياسي الفلسطيني القادم.
في هذا السياق، يبرز اسم عباس زكي بوصفه أحد آخر ممثلي الشرعية التاريخية الفتحاوية داخل البنية القيادية للحركة. فالرجل لا يمثل مجرد عضو في اللجنة المركزية، بل يمثل ذاكرة سياسية ونضالية تعود إلى زمن الثورة الأولى، وإلى مرحلة كانت فيها فتح فكرة تحرر وطني قبل أن تصبح سلطة محكومة بالتوازنات الإقليمية والدولية.
إنّ عباس زكي، في المخيال الفتحاوي التقليدي، يُنظر إليه باعتباره الامتداد الرمزي للجيل العرفاتي، والوجه الذي ما زال يتحدث بلغة الثورة والهوية الوطنية الفلسطينية، بعيداً عن لغة الإدارة البيروقراطية التي سيطرت على الحركة بعد قيام السلطة الفلسطينية.
لكن السؤال الأخطر الذي يتردد داخل الأطر الفتحاوية وخارجها هو:
هل يتحول المؤتمر الثامن إلى بوابة لإعادة إنتاج الحكم بصيغة عائلية عبر صعود ياسر عباس؟
حتى اللحظة، لا توجد مؤشرات رسمية على وجود مشروع معلن لتوريث السلطة، لكن مجرد تداول الفكرة داخل الشارع الفلسطيني يعكس حجم الأزمة التي تعيشها الحركة الوطنية الفلسطينية، وحجم القلق من غياب مشروع وطني جامع بعد مرحلة أبو مازن.
إنّ فتح تاريخياً لم تُبنَ على مفهوم السلالة السياسية، بل على شرعية الكفاح والثورة. لذلك فإنّ أي محاولة لتحويل الحركة إلى إطار يُدار بمنطق الوراثة السياسية ستصطدم بعوامل عديدة، أهمها الطبيعة التاريخية للحركة نفسها، ووجود قيادات تمتلك شرعيات نضالية وتنظيمية وأمنية يصعب تجاوزها.
هنا يظهر أيضاً دور جبريل الرجوب بوصفه أحد أبرز اللاعبين في معركة التوازنات القادمة. فالرجوب يدرك أنّ وحدة فتح أصبحت ضرورة وجودية، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن مرحلة ما بعد أبو مازن ستكون مرحلة إعادة توزيع القوة داخل النظام الفلسطيني كله.
ولذلك فإنّ الصراع داخل فتح لم يعد صراع برامج سياسية بقدر ما أصبح صراعاً على تعريف الشرعية نفسها:
هل الشرعية هي شرعية التاريخ؟
أم شرعية المؤسسة؟
أم شرعية القوة والنفوذ؟
أم شرعية الخارج الإقليمي والدولي؟
إنّ أخطر ما قد تواجهه فتح ليس الانشقاق التقليدي كما حدث في مراحل سابقة، بل التحلل البطيء من الداخل؛ أي أن تبقى الحركة شكلاً ورمزاً بينما تفقد مضمونها الثوري والوطني الجامع.
ففتح التي أعادت الفلسطيني من حالة اللجوء إلى حالة الثورة، ومن الانتظار إلى الفعل التاريخي، تجد نفسها اليوم أمام اختبار وجودي حقيقي:
هل تستطيع إنتاج قيادة وطنية جديدة تحافظ على روح الحركة؟
أم تتحول إلى مؤسسة سلطة منفصلة عن الوعي الوطني الفلسطيني؟
ختاماً، أقول إنّ المؤتمر الثامن لن يكون مجرد مؤتمر تنظيمي، بل سيكون لحظة تاريخية فاصلة بين فتح الثورة وفتح السلطة، بين الشرعية التاريخية والشرعية الوظيفية، وبين مشروع وطني جامع ومشروع إدارة أزمة طويلة. وفي قلب هذه الجدلية يقف عباس زكي كأحد آخر الحراس الرمزيين لذاكرة فتح الأولى، بينما تقف الحركة كلها أمام سؤال المستقبل والمصير.








