السياسي – عندما تعرفت عائلة ليبية على الفنان ياسين بقوش، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، عبر أعمال فنية سورية بينها مسلسل “صح النوم”، كان الشاب السوري المنحدر من أصول ليبية قد ذاع صيته في البلاد.
حضرت عمة ياسين بقوش من ليبيا إلى دمشق عام 1976، وهناك التقت فرع العائلة الذي استقر به الحال في سوريا خلال رحلة حج لأحد أبنائها، الذي قرر الاستقرار في دمشق في طريق العودة، وانقطعت أخباره عن عائلته إلى حين عرض التلفزيون الليبي مسلسلاً سورياً شارك فيه ياسين بقوش، فأعاد لمّ شمل العائلة.
كان اللقاء لمّ شمل عائليا وتعارفا، لكنه لم يدفع ياسين للعودة إلى بلده الأصلي، وقد صار دمشقي المولد واللهجة، لا بل كان أحد مشاهير المسرح السوري في ذروة جماهيريته ونجماً إذاعياً وتلفزيونياً كانت تُعرض أعماله في تلفزيونات العديد من الدول العربية.
ظلَّ ياسين في دمشق حتى آخر يوم في حياته، عندما قُتل في 24 شباط/فبراير 2013 بقذيفة سقطت على السيارة التي كان فيها، في ذروة الحرب التي عاشتها سوريا وتسببت بهجرة ملايين السوريين، بينما فضّل ذلك المهاجر عدم المغادرة.
وتحل الذكرى الـ13 لوفاة بقوش المأساوية، لتعيد سيرة شاب أسهم مع جيل من الفنانين السوريين، يضم أسماء كبيرة مثل عمر حجو ونهاد قلعي وعبد اللطيف فتحي، في تأسيس فن التمثيل السوري بصورة احترافية.
كان ذلك الجيل، عبر الفرق المسرحية التي أسسها ومئات الأعمال المسرحية التي عرضها، والمسلسلات والأفلام والبرامج التي قدمها في التلفزيون الذي نشأ للتو في ستينيات القرن الماضي، والإذاعة والسينما، أشبه بأكاديمية مفتوحة تضاهي المعهد العالي للفنون المسرحية الذي أسس عام 1977، وتخرج فيه كثير من نجوم الدراما السورية الحاليين.
-مسيرة فنية حافلة
وُلد ياسين بقوش عام 1938 في مدينة دمشق، وقاده شغفه بالتمثيل إلى التعرف على الفنان الراحل عبد اللطيف فتحي، الذي عُرف بدور “أبو كلبشة” في مسلسل “صح النوم”، ويُعد أحد رواد المسرح السوري.
انضم ياسين إلى المسرح الحر الذي أسسه فتحي عام 1956، وفيه تعلم التمثيل وصقل موهبته، وصار الشاب الصغير فناناً بالفعل في سن مبكرة.
وبعد عامين فقط، قدم ياسين مسلسلاً إذاعياً عبر إذاعة دمشق حمل اسم “متعب أفندي”، مستفيداً من صوته الأجش الذي اشتهر به، وأسهم في اختياره من القائمين على المسلسل.
وفي عام 1960، انضم ياسين إلى مسرح العرائس حديث التأسيس يومها، وقدم مع مؤسسه عبد اللطيف فتحي عروضاً مسرحية للأطفال لاقت رواجاً كبيراً في تلك الفترة.
وفي العام ذاته، كان ياسين أحد المشاركين في عروض المسرح القومي الذي أسس عام 1960، وشكل علامة فارقة في تاريخ المسرح السوري، ما أتاح لياسين تقديم مسرحيات عديدة برفقة كبار نجوم سوريا في ذلك الزمن.
وظل ياسين فناناً مسرحياً بدرجة كبيرة حتى مع مشاركاته في المسلسلات التلفزيونية، التي كانت السبب في التصاق اسم “ياسينو” به، عبر شخصية حملت ذلك الاسم، واختارها له الفنان الراحل نهاد قلعي خلال تحديد شخصيات مسلسله الشهير “صح النوم” عام 1972؛ فقد ظل ياسين بقوش في شخصية “ياسينو” البسيط الذي يسهل خداعه في معظم الأعمال التي قدمها بعد مسلسل “صح النوم”، وبينها “ملح وسكر” (1973)، “لكل الناس” (1980)، “وادي المسك” (1982)، و”عريس الهنا” (1984).
وحضر ياسين في الوقت ذاته في عدد كبير من الأعمال السينمائية، رغم طابعها التجاري، بشخصيته المكررة كرجل بسيط “ياسينو”، وبينها “غزلان” (1969)، “الثعلب” (1971)، “عروس من دمشق” (1973)، و”عنترة فارس الصحراء”، و”غوار جيمس بوند”، و”الغجرية العاشقة”، و”النصابين الخمسة”، و”غراميات خاصة” (1974).
وبعد نحو ثلاثة عقود من مشاركة جيل المؤسسين لفن التمثيل السوري، بدأ حضور ياسين بالتراجع تدريجياً، مع مشاركات محدودة استمرت حتى عام 2011، وشهدت ظهوره في شخصيات جديدة بعيدة عن الكوميديا وشخصية “ياسينو” التي ظلت الأشهر في ذاكرة الجمهور العربي.






