يلا إصلاح يلا مراضاة للشعب يلا مكاشفة يلا صراحة يلا محاسبة يلا حلول يلا نرفع جرعات المحبة ويلا شجاعة.
لأن الكيل لم يعد يطفح بل فاض وغرقنا معه حتى الأذنين، ولم يبقَ لنا إلا أن نُبقي رؤوسنا فوق الماء بالكلمة الصادقة أو نغرق جميعًا بصمتٍ نبيل لا يشبهنا.
ومن خلال متابعتي الدقيقة للشأنين الفلسطيني والإسرائيلي في الشارع وفي الصحافة ومن على منصات التواصل وجدتُ أن النظرة إلى السلطة الوطنية الفلسطينية لم تعد متعددة الزوايا بل انحصرت في ثلاث عدسات قاسية كلها موجعة وكلها خطِرة.
عدسة أولى ترى في السلطة الوطنية الفلسطينية عقبة يجب كسرها وجدارًا يجب هدمه ومشروعًا يجب إنهاؤه، تحملها وتروج لها قوى اليمين الإسرائيلي المتطرف وتُشارك في حملها الترويج لها جماعة الإخوان الشياطين في فلسطين والعالم في تحالفٍ موضوعي غريب يجمع بين الاحتلال ومن يدّعي مقاومته تحت شعار واحد: إسقاط السلطة لا تحرير الوطن.
وعدسة ثانية ترى في السلطة الوطنية الفلسطينية مشروع فساد منظم قائمًا لمنفعة بعض الأمراء وطبقة ضيقة من المنفعتين ودوائر مغلقة تدور داخل نفسها حتى الدوار وتوزّع الغنائم كما تُوزّع أوراق اللعب، بينما الشعب ينتظر دوره في طابور الحياة الطويل.
وعدسة ثالثة وهي الأخطر من وجهة نظري ترى في السلطة الوطنية الفلسطينية جسدًا مريضًا وصل إلى حافة الموت السريري وينتظر لحظة لفظ الأنفاس الأخيرة، وهي نظرة تشارَك فيها الفلسطيني المقهور والإسرائيلي المتربص وكل من يقف على التل ينتظر السقوط ليقول: ألم أقل لكم؟
وهذا التوصيف بكل قسوته لم يعد حكرًا على النخب السياسية فقط، بل أصبح خطاب شارع ونقاش مقهى وتعليق منشور وهمس موظف وأنين مواطن.
لكن، وسط هذا المشهد القاتم لا بد من التذكير بحقيقة كبرى يحاول البعض طمسها عمدًا أو جهلًا وهي أن السلطة الوطنية الفلسطينية ليست حادثًا إداريًا عابرًا ولا كيانًا وُلد في المكاتب بل هي إنجاز وطني تحقّق بالدم ومحصلة نضال طويل ومشروع تحرر وطني دفع الشعب الفلسطيني أثمانه شهداء وجرحى وأسرى ومنافي وخراب بيوت وأعمار.
فالسلطة الوطنية الفلسطينية ليست حالة إدارية طارئة بل مكسب سياسي تاريخي ورافعة سياسية وسقف وطني ووسيلة صمود وأداة اشتباك ذكي في معركة الوجود الطويلة للشعب الفلسطيني.
ولهذا بالضبط فإن النقد القاسي لها لا يعني هدمها أبدًا بل إنقاذها والمحاسبة الصارمة ليست طعنًا فيها وإنما دفاعًا عنها والإصلاح الجذري ليس انقلابًا عليها بل عودة بها إلى أصل فكرتها الأولى: مشروع تحرر وطني في خدمة الإنسان الفلسطيني لا عبء يوميًا فوق كتفيه.
إن الكيل قد طفح لا كشعار انفعالي بل كتشخيصٍ باردٍ ودقيق للحظة الوطنية.
والرد المطلوب ليس بيانًا إنشائيًا ولا خطابًا خشبيًا ولا لجنة جديدة تُضاف إلى مقبرة اللجان بل ردٌّ مزلزل سياسي، شجاع ذكي وقاسٍ بعدله رحيم بحقيقته.
يلا إصلاح لا بالتصريحات بل بالاستئصال والجراحة العميقة إصلاح لا يخاف من كسر العظم لإنقاذ الجسد وحماية الروح.
ويلا مراضاة للشعب لا عبر الصور الفارغة من الروح والصدق بل عبر ردّ الاعتبار فالشعب لا يريد صدقات بل كرامة ولا يريد وعودًا بل ثقة.
ويلا مكاشفة لأن نصف الحقيقة خيانة كاملة ولأن الغموض في زمن الانكشاف فضيحة لا دهاء.
ويلا صراحة لأن الشعب أذكى من أن يُخدع وأرفع من أن يُستغبى.
ويلا محاسبة حقيقية لا انتقائية ولا موسمية ولا استعراضية، محاسبة تُشبه العدل لا تصفية الحسابات.
ويلا حلول لا ترقيع فيها ولا إسعاف أولي لدولة تنزف وشعب مستنزف، حلول تُمسك بجذور الأزمة لا ببعض أعراضها.
ويلا نرفع جرعات المحبة لأن القسوة الإدارية قتلت الروح العامة ولأن الإنسان الفلسطيني تعب من أن يكون رقمًا وملفًا ومعاملة مؤجلة.
ويلا شجاعة فغياب الشجاعة هو أعلى درجات التواطؤ مع الانهيار أو مع تكريسه كأمرٍ واقع.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي سلطة ليس خصومها بل تحوّلها في وعي الناس من مشروع أمل إلى عبء يومي ومن عنوان كرامة إلى سطر في شكوى.
فالسلطة الوطنية الفلسطينية وُجدت لتكون أداة تحرر لا جهاز تكيّف مع القهر ومشروع كرامة لا مؤسسة إدارة بؤس ورافعة سياسية لا منصة أعذار ولا خزائن أموال لبعض الأمراء فيها رغم كثرتهم .
واليوم نحن أمام لحظة مفصلية إما أن نعيد تعريفها بوصفها مشروع حماية وطنية وعدالة اجتماعية وكرامة إنسانية أو نترك الآخرين يعرّفونها لنا كما يشاؤون وكما يخدم مشاريعهم.
والتاريخ حين يكتب صدقوني فإنه لا يرحم ولا يقرأ الأعذار ولا يتعاطف مع المبررات.
فـ يلا إصلاح… ويلا شجاعة قبل أن يتحوّل التأجيل إلى خطيئة وطنية وخيانة لا تُغتفر.











