ليس يومُ الأرض، في الثلاثين من آذار عام 1976، مجرّد ذكرى عابرة في روزنامة الألم الفلسطيني، ولا حدثاً تاريخياً يُستعاد بوصفه ماضٍ منقضٍ؛ إنّه لحظةٌ كينونية تتكثّف فيها جدلية الوجود والعدم، ويتجلّى فيها الإنسان الفلسطيني بوصفه كائناً يُعيد تعريف نفسه عبر الأرض، لا بوصفها جغرافيا فحسب، بل باعتبارها معنىً، وذاكرةً، وقدراً وجودياً لا يقبل المصادرة.
في هذا اليوم، لم يُثبِت الفلسطيني حضوره الفيزيائي على الأرض فقط، بل دشّن حضوره الأنطولوجي بوصفه ذاتاً فاعلة، لا تُختزل في كونها موضوعاُ للهيمنة أو رقماً في سجلات النفي. لقد انتقل من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، من إمكانٍ مُعلّق إلى تحققٍ مُقاوِم، ليؤكد أنّ الأرض ليست موضوع امتلاك، بل علاقةُ تعايشٍ عضويّ بين الإنسان ومجاله الحيوي، حيث يتشكّل الوعي من ترابها، وتُصاغ الهوية من تاريخها.
إنّ يوم الأرض هو لحظة انكشاف زيف السرديات التي حاولت اختزال الفلسطيني في صورة الغائب، أو المُرحَّل، أو المُنتظر على هامش التاريخ. ففي مواجهة منظومات الاقتلاع القسري، التي تُحاول أن تُعيد صياغة المكان بما يخدم خطاب الإقصاء، ينهض الفلسطيني بوصفه شاهداً حياً على استمرارية الحياة، ومُنتجاً لمعنى البقاء، لا بوصفه فعلًا بيولوجياً، بل بوصفه موقفاً أخلاقياً وحضارياً.
ولئن كانت الأرض، في سياقها الكوني، مهد الحضارات ومهبط الرسالات، فإنّ فلسطين تتكثّف فيها هذه الرمزية إلى أقصى درجاتها، حيث تتقاطع الأزمنة، وتتجاور السرديات، ويصبح الصراع على الأرض صراعاً على المعنى ذاته. ومن هنا، فإنّ الدفاع عن الأرض لا يُختزل في بعده السياسي أو القانوني، بل يتجاوز ذلك ليغدو دفاعاً عن الوجود الإنساني في أعمق تجلياته.
في المقابل، تتكشّف مفارقةٌ مؤلمة: فبينما ينشغل الفلسطيني، بوصفه كائناً موجوداً بالفعل، في تعمير أرضه، وتطوير أدوات حياته، وصياغة أشكال مقاومته، تنشأ فئاتٌ أخرى موجودة بالقوة، لا تُنتج إلا خطاباً معارضاً مُستعاراً، ولا تبتكر حتى أدوات نقدها، بل تستمدّها من الجهد الذي تُناهضه. وهنا، ينقلب النقد إلى تبعية، وتتحوّل المعارضة إلى استهلاكٍ رمزيّ لا يُضيف إلى الفعل الإنساني قيمةً تُذكر.
غير أنّ الفلسطيني، في مسيرته التاريخية، لم يكن يوماً أسير اللحظة، ولا رهينة الألم. إنّه كائنٌ يتقن تحويل المعاناة إلى وعي، والانكسار إلى دافع، والذاكرة إلى أفق. فهو لا يلتفت إلى ماضيه المثقل بالقهر إلا ليقرأ فيه دروس النجاة، ويستخلص منه شروط العبور نحو مستقبلٍ أقلّ هشاشة. إنّه يُدرك أنّ التاريخ، إذا لم يُستثمر وعياً، يتحوّل إلى عبء، وإذا لم يُقرأ نقدياً، يُعاد إنتاجه بوصفه مأساةً متكرّرة.
ومن هنا، فإنّ يوم الأرض لا يُمثّل لحظة توقّف، بل لحظة انطلاقٍ دائم. إنّه فعلُ تجدّدٍ مستمرّ، تتجدد فيه العلاقة بين الإنسان وأرضه، بين الذاكرة والمستقبل، بين الألم والأمل. إنّه إعلانٌ بأنّ الحياة الفلسطينية لا تُختزل في سردية الضحية، بل تتجاوزها إلى سردية الفاعل الذي يُعيد تشكيل شروط وجوده رغم كلّ محاولات الإلغاء.
ولأصحاب الشكوك، الذين ينظرون إلى الخلف بعيونٍ مُثقَلة بالارتياب، فإنّ التاريخ الفلسطيني يُقدّم نفسه شاهداً على أنّ الشعوب التي تؤمن بقدرتها على الاستمرار، تُحوّل المحن إلى إمكانيات، والهزائم إلى بدايات. أمّا أولئك الذين يُحسنون النظر إلى الأمام، فقد جعلوا من يوم الأرض أداةً لإنتاج الأمل، ومناسبةً لإعادة بناء الثقة بالذات، واستئناف الفعل الحضاري.
سنظلّ، نحن الفلسطينيين، جديرين بالحياة، لا لأنّ العالم يمنحنا هذا الحق، بل لأنّنا ننتزعه من صميم معاناتنا، ونُعيد تعريفه في كلّ مرة نحيا فيها رغم الانكسار. سنبقى، لأنّ البقاء ليس صدفة، بل قرارٌ وجوديّ، ولأنّ الأرض التي أنجبت هذا الإصرار، لا تُنجب إلا حياةً تُقاوم الفناء، ومعنىً يتجدّد كلّما ظنّ الآخرون أنّه قد انطفأ.








