في مشهدٍ وطنيٍ جامع، أحيت سفارة دولة فلسطين في الجزائر ذكرى يوم الأرض، هذه المناسبة التي لم تعد مجرد استذكارٍ تاريخي لحدثٍ وقع عام 1976، بل تحولت إلى رمزٍ أنطولوجي يعكس صراع الوجود الفلسطيني على أرضه، وتجسيداً حياً لعلاقة الإنسان بالمكان بوصفه جوهر الهوية ومرتكز الكينونة.
لقد جاء إحياء هذه الذكرى في الجزائر محمّلاً بدلالات عميقة، ليس فقط على مستوى الحضور الفلسطيني، بل من خلال المشاركة الجزائرية الرسمية والشعبية الواسعة، التي أكدت من جديد أن القضية الفلسطينية ما تزال حاضرة في الوعي الجمعي الجزائري، بوصفها قضية تحرر وطني، وعدالة تاريخية، وامتداداً طبيعياً لتجربة الجزائر نفسها في مقاومة الاستعمار.
في كلمته، شدد سعادة السفير على التمسك بالأرض باعتبارها جوهر الصراع، مؤكداً أن الشعب الفلسطيني لن يرحل، وأن كل محاولات الاقتلاع والاستيطان ستفشل أمام إرادة البقاء. هذه الكلمة لم تكن مجرد خطاب سياسي، بل كانت تعبيراً فلسفياً عن الوجود الفلسطيني بوصفه وجوداً متجذراً في الزمان والمكان، لا يمكن تفكيكه أو استبداله، مهما تعاظمت أدوات القوة.
كما حملت الكلمة بعداً إنسانياً عميقاً من خلال تحية الأسرى القابعين في سجون الاحتلال، أولئك الذين يواجهون سياسات قمعية متطرفة، من بينها الدعوات إلى تشريع قوانين إعدام بحقهم. إن استحضار قضية الأسرى في هذا السياق يعيد التأكيد على أن الصراع لا يقتصر على الأرض فقط، بل يمتد إلى الكرامة الإنسانية والحق في الحياة، ويكشف الوجه الحقيقي لسياسات الاحتلال القائمة على نفي الآخر وإلغائه.
أما في ختام الفعالية، فقد جاءت تحية الشكر والتقدير للجزائر، حكومةً وشعباً ورئيساً، كتعبير صادق عن عمق العلاقة التاريخية بين الشعبين. فالجزائر، التي دفعت ثمناً باهظاً من أجل حريتها، تدرك جيداً معنى النضال، ولذلك لم تتخلَّ يوماً عن دعمها لفلسطين، سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً.
إن إحياء يوم الأرض في الجزائر لم يكن مجرد فعالية دبلوماسية، بل كان فعلاً سياسياً وثقافياً يعيد إنتاج الوعي بالقضية الفلسطينية، ويؤكد أن الصراع ما زال مفتوحاً على كل الاحتمالات، لكنه في جوهره صراع بين حقٍ أصيل وقوةٍ طارئة. وفي هذا السياق، يبقى الرهان الفلسطيني قائماً على الذاكرة، والصمود، واستمرار الحضور في المكان، باعتباره الفعل الأسمى في مواجهة محاولات الإلغاء.
إن يوم الأرض، كما تجلى في الجزائر، ليس ذكرى عابرة، بل هو إعلان متجدد بأن الفلسطيني، رغم كل ما يواجهه، ما زال هنا… وما زال قادراً على تحويل الذاكرة إلى فعل، والرمز إلى واقع، والوجود إلى مقاومة.






