7 أكتوبر تلاحق ملك الكذب

عمر حلمي الغول

مازالت ارتدادات 7 تشرين اول / أكتوبر 2023، بما لها وما عليها، وبغض النظر عن خلفياتها ودهاليزها وتعقيداتها وغرفها المغلقة، لم تكشف حتى الان، ولم يسبر غورها، بيد ان سرها العميق والمتستر عليه، لم يلغِ ضرورة المساءلة للهيئات القيادية الإسرائيلية المسؤولة عما أحدثته عملية حركة حماس صبيحة ذلك اليوم، وخاصة رئيس وزراء إسرائيل وحكومته بشقيها السياسي والعسكري، كونهم أصحاب القرار في السلم والحرب، وخاصة الحاكم بأمره في إدارة شئون الدولة، الذي يتحكم بمقاليد الأمور كلها بنيامين نتنياهو. وإسرائيل ليست استثناءً في هذا الشأن، فقادة الدول والحكومات يتحملون المسؤولية عن أية أحداث أو تطورات سلبية أم إيجابية في بلدانهم.
لكن رئيس حكومة الائتلاف الحاكم في إسرائيل يرفض الإقرار بالمسؤولية عما حدث في 7 أكتوبر، ويحاول تحميلها للقيادة العسكرية، وخاصة وزير الحرب السابق يؤاف غالانت ورئيس الأركان السابق هيرتسي هليفي، والأخير اعترف بمسؤوليته وغادر منصبه مع انتهاء فترة ولايته، الا ان اعتراف هليفي ومن خلفه غالانت وزير الإبادة المقال ومعهم القيادة العسكرية الجنوبية لا تسقط مسؤولية الحكومة عموما ورئيسها خصوصا عما جرى في ذلك اليوم. ومع ذلك يناور ويماطل للالتفاف على تشكيل لجنة تحقيق إسرائيلية محايدة، ويسعى لفرض لجنة تحقيق مشتركة من الحكومة والمعارضة ورفض تدخل المحكمة العليا في تشكيلها، لأنه يعتبرها معرقلة لكشف الحقيقة، وغير محايدة، وأشار نتنياهو لذلك مساء يوم الخميس 5 شباط / فبراير الحالي، حيث كشف عن فحوى “الوثيقة الرسمية” التي قدمها لمراقب الدولة ضمن التحقيقات الجارية في أحداث 7 أكتوبر 2023، والخلفيات التي سبقتها، موجها انتقادات حادة لقرار المحكمة العليا بتجميد عمل المراقب في هذا الملف، المتواطئ معه..
وأعلن نتنياهو أنه سلم مراقب الدولة إجابات مفصلة خلال لقاء استمر 4 ساعات في كانون اول / ديسمبر الماضي (2025)، مشيرا الى ان الوثيقة تتضمن محاضر جلسات أمنية تمتد ل 12 عاما، منذ عملية “الجرف الصامد” وحتى صبيحة الهجوم. ورغم ذلك، أكد أن فحص مراقب الدولة ليس بديلا عن “لجنة تحقيق وطنية”، وفق مقاسه ومعاييره للتهرب من المسؤولية التي تطاله كرأس للحكم والحكومة، وللتهرب من المسؤولية، استشهد بنموذج لجنة التحقيق الأميركية في احداث 11 أيلول / سبتمبر 2001، مؤكدا استعداده ليكون أول الماثلين أمامها، وهو يعلم ان اللجنة الأميركية لم تكن محايدة، وطمست الحقائق وخلفيات تلك الجريمة، وأسقطت المسؤولية عن اركان الإدارة وأجهزة الامن الأميركية، الذين كانوا وراء الحادث، وهناك مئات الوثائق الأميركية التي تؤكد هذه الحقيقة.
وفي سياق متصل، أورد المحلل السياسي الإسرائيلي “عميت سيغال”، قراءة نقدية للوثيقة السرية، كاشفا أنها تضع قادة المنظومة الأمنية في مواجهة مع “تضليل الرأي العام” الإسرائيلي. وما خلص له سيغال، أولا الفشل الاستخباراتي، ثانيا مسؤولية القيادة السياسية، وأشار المحلل السياسي، الى أن الوثيقة تثبت أن نتنياهو نفسه، رغم اقتراحه لعمليات اغتيال في بعض المحاضر، لم يدرك (وقد يكون أدرك واراد ما حدث ليرتكب الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني) حجم الخطر الوجودي، ولم يقترح تاريخيا (منذ 2014) خيار “احتلال غزة” أو القضاء الشامل على حماس، بل ذهب الى تقديم الدعم المالي القطري الشهري لها، ثالثا التناقض، حيث كشفت المحاضر عن فجوة كبيرة بين الرسائل المطمئنة التي كان القادة العسكريون يقدمونها في الغرف المغلقة وبين تحذيراتهم العلنية اللاحقة. ووصل سيغال لنتيجة مفادها، أن الوثيقة تضع الجميع في سلة واحدة من حيث “الوقوع في أسر المفاهيم” مما يجعل مسؤولية الفشل مشتركة بين المستوىين السياسي والقيادة الأمنية دون افضلية لجانب على آخر.
وردا على وثيقة رئيس الائتلاف الحاكم الكاذبة، شن وزير الجيش السابق، يؤاف غالانت أول أمس السبت 7 فبراير، هجوما غير مسبوق على رئيس الوزراء على القناة “12” الإسرائيلية، واصفا إياه ب “الكاذب”، ومتهما إياه بتزييف الحقائق للتهرب من مسؤولية الفشل الذريع في 7 أكتوبر 2023. وذكر بالتفصيل ما حدث صبيحة ذلك اليوم، مفندا أكاذيب نتنياهو بشأن وصوله لوزارة الحرب، وردا على اتهامه إدارة جو بايدن الاميركية بالتقصير بمد إسرائيل بالسلاح والتي لولا دعمها لم وقفت إسرائيل على اقدامها، كما أعلن الرئيس الأميركي بايدن يوم وصوله لإسرائيل في 18 أكتوبر 2023، وعن اجتياح رفح.
بالمحصلة الأزمات الناجمة عن 7 أكتوبر في الداخل الإسرائيلي ما زالت تتفاقم، ولم يغلق باب نتائجها العاصفة بالبناء الفوقي الإسرائيلي والدولة العميقة، فضلا عن تداعياتها وارتداداتها على المجتمع بكل مركباته السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والوجودية. لأن حكومة الإبادة الجماعية وخاصة رئيسها نتنياهو يخشى في حال تشكلت لجنة محايدة من ذهابه الى السجن أو الى البيت في أحسن السيناريوهات.
[email protected]
[email protected]