أناديكم… وأشدّ على أياديكم وأبوس الأرض تحت نعالكم وأقول أفديكم… نعم أفديكم رغم أنكم لا تستحقون الفداء ولكنني سأفديكم لأن هذا الوطن لم يَعُد يحتمل كل هذا الوجع وحده ولأن الحجارة التي ما زالت تحفظ خطى الشهداء في القدس والتراب الذي ما زال دافئًا بدم الفدائيين في جنين ونابلس وغزة ينادينا جميعًا أن نقول الكلمة حين يصبح الصمت خذلانًا وأن نرفع الصوت حين يثقل التعب أكتاف الناس حتى تكاد تنحني.
أناديكم اليوم بلسان القلب قبل القلم وبلسان أمٍّ تنتظر ابنها الأسير وبلسان موظفٍ يعود إلى بيته مثقلًا بهمّ الراتب وبلسان شابٍّ يرى عمره يتآكل على أبواب البطالة وبلسان وطنٍ يرفض أن يبقى أسير الأزمات والتأجيل.
إن الشعب الفلسطيني لم يَعُد يحتمل مزيدًا من الانتظار ولم يَعُد قادرًا على حمل كل هذا الوجع وحده، فيما تتراكم الأزمات فوق صدره من كل اتجاه: احتلال يبطش واقتصاد ينهك وبطالة تفتك بالشباب ورواتب تتآكل أمام قسوة الحياة.
إن مسؤولية القيادة في هذه المرحلة ليست ترفًا سياسيًا بل واجبٌ تاريخي وأخلاقي ووطني. فالشعب الذي قدّم الشهداء والأسرى والجرحى ووقف في وجه آلة القمع والاستيطان يستحق قيادةً تتحمّل مسؤولياتها كاملة لا أن تكتفي بإدارة الأزمة أو تأجيل الحلول.
أناديكم لتحملوا مسؤولياتكم أمام القدس التي تُهوَّد وأمام غزة التي تنزف وأمام الضفة التي تُقطّعها الحواجز والاستيطان وأمام الأسرى الذين ينتظرون موقفًا يليق بتضحياتهم وأمام الموظف الذي يعود إلى بيته مثقلًا بهمّ لقمة العيش.
المطلوب اليوم ليس بيانات… بل قرارات…ليس وعودًا… بل إجراءات…ليس توصيفًا للأزمة…بل شجاعةً في مواجهتها.
وتزداد هذه المسؤولية إلحاحًا ونحن نقترب من المؤتمر الثامن لحركة فتح حيث تتجه الأنظار إلى هذه المحطة التنظيمية والوطنية الكبرى بوصفها فرصةً تاريخيةً للمراجعة وتجديد الثقة وترتيب البيت الفتحاوي والوطني على أسس أكثر صلابة ووضوحًا ومسؤولية. فالمؤتمرات لا تُقاس فقط بموعد انعقادها…بل بما تفتحه من أبواب للمحاسبة والتصويب وإعادة وصل القيادة بنبض القاعدة والشارع.
تحمّل المسؤولية يبدأ من مصارحة الشعب بالحقيقة ومن فتح ملفات الأداء الحكومي والتعيينات والإنفاق العام بكل شفافية حتى يشعر المواطن أن صوته محفوظ وأن هيبة المؤسسات تُصان بالقانون والرقابة والمساءلة.
كما أن المسؤولية الوطنية تفرض حماية المشروع الوطني الفلسطيني من التآكل الداخلي وتعزيز دور حركة فتح كحارسة للمسار الوطني ورافعةٍ للإصلاح وسندٍ للقيادة في اتخاذ قرارات جريئة تعيد ثقة الناس بمؤسساتهم.
أناديكم لأن الناس تريد أن ترى أن قيادتها قادرة على تحمّل ثقل المرحلة وأنها لا تترك المواطن وحيدًا في مواجهة الغلاء والبطالة والضيق الاقتصادي والقلق السياسي.
إن التاريخ لا يرحم والشعوب لا تنسى من وقف معها في لحظات المحنة. وهذه لحظة تستوجب من الجميع وفي مقدمتهم القيادة أن يرتقوا إلى مستوى اسم فلسطين وأن يتحمّلوا مسؤولياتهم كاملة أمام الله وأمام الشعب وأمام دم الشهداء.
أناديكم… وأشدّ على أياديكم لكنني أطالبكم باسم هذا الشعب الصابر أن تتحمّلوا مسؤولياتكم الآن قبل أن يتحوّل الانتظار إلى وجعٍ أكبر من قدرة الناس على الاحتمال.
ففلسطين تستحق قيادةً تتحمّل ومؤتمرًا يفتح أبواب الأمل لا مجرد محطة عابرة في الزمن التنظيمي.





