كان الزعيم الهندي (غاندي) يقول: «كلما قام شعب الهند بالاتحاد ضد الاستعمار الإنجليزي يقوم الإنجليز بذبح بقرة ورميها بالطريق بين الهندوس والمسلمين لكي ينشغلوا بالصراع بينهم».
وحين وقعت أحداث 11 سبتمبر/أيلول أطل (هنري كيسنجر)، وصرح بالقول: «الصراع التالي سيكون بين العرب أنفسهم». وفي السياق نفسه نستذكر العنوان المُثير لكتاب الرئيس الأمريكي السابق (نيكسون) الذي سمَّاه «نصرٌ بلا حرب»، ويوضح فيه كيفية تغذية الصراعات الدينية والطائفية في الدول العربية، لتتقاتل الشعوب مع بعضها من دون تدخل خارجي، وتكتفي أمريكا بتقديم المشورة. وهناك الكثير من الأمثلة التي تجعلنا نقف اليوم ونسأل: لماذا المنطقة العربية بالذات تثير اهتمام الغرب؟ هل هو الخوف من العرب؟ أو كما يأتينا إعلامهم بمقولة الخوف عليهم، والرغبة في حمايتهم؟
معروف عن المنطقة العربية، والتي هي أكبر بكثير من (طاولة ترامب)، بحيث تمتدّ على مساحة 13 مليوناً و487 ألف كيلومتر مربع.. موزعة ما بين قارتي آسيا وإفريقيا، ويصل طول السواحل العربية إلى 22 ألفاً و828 كلم.. ويبلغ عدد سكانها حالياً نحو 440,753,333 مليون نسمة. يشكل الشباب العربي ما نسبته 32% من سكان المنطقة العربية التي تتكون من 22 دولة. ولا بد أن نشير إلى أن نسبة الشباب من الفئة العمرية التي تتراوح بين 15-24 تُعتبر عالية جداً من حيث قدرتها الإنتاجية، فهي تشكل 16% من سكان العالم كله، ويمكن للشباب أن يشكلوا قوة إيجابية لدفع عجلة التنمية عند تزويدهم بالمعرفة والفرص التي يحتاجون إليها. علماً أن هذه النسبة تشمل العرب من كل الطوائف المسلمة والمسيحية واليهودية، التي تنتمي إلى المنطقة وإلى تاريخها العريق وتتكلم بلغتها.. بالإضافة إلى الدول غير العربية التي تتحدث بها، كونها لغة دين أيضاً. علماً أن كافة أطراف المنطقة متشابهة لغوياً واجتماعياً وتاريخياً، فهي منطقة عريقة ولا مجال لمقارنتها مع المناطق الحديثة في العالم. ونذكر أن اللغة العربية مُعتمدة رسمياً في الأمم المتحدة منذ عام 1974.
وبالعودة الى المُصطلح اللاهوتي الذي أطلقه الألماني النمساوي (سلوتزر) في أواخر القرن الثامن عشر، وتحديداً في أبحاثه وتحقيقاته عن الأمم الغابرة عام 1781 تنتمي اللغة العربية إلى اللغات السامية، وقد اقتبس المُصطلح من سفر التكوين في أسفار التوراة الخمسة. علماً أنها اليوم تتمتع بفرص للانتشار بين من يزيدون على أكثر من مليارَي مُسلم في مختلف أنحاء العالم، مما يُكسبها قدرة على مُقاومة الانحسار، مع تعرّض لغات كثيرة لخطر الاندثار، حيث تتوقع اليونسكو اختفاء نصف لغات العالم، إذ إن 40% من سكان العالم لا يتلقون تعليمهم بلغتهم الأم. وتُعتبر اللغة العربية من أغنى اللغات بالمفردات، حيث تملك 12 مليون كلمة، بينما تحوي اللغة الإنجليزية 600 كلمة فقط. ووفقاً للدراسات التربوية تبيّن أن الطفل الذي يتعلم اللغة الغنية بهذا الكم الهائل من المفردات تتكون لديه قدرات عقلية مُميزة وذاكرة قوية. من ناحية أخرى تحتوي اللغة العربية على 28 حرفاً مقابل 26 في اللغة الإنجليزية.
أما لو تحدثنا عن الموارد المائية وهي هاجس العالم اليوم، فنجد أن المنطقة معروفة بمواردها، مثل نهر النيل والفرات والأردن واليرموك وينابيع المياه في الجولان، والحاصباني، والوزاني، وغيرها الكثير. ولو تحدثنا عن الإطلالة على المضائق والممرات المائية ذات الأهمية، فالمضيق يعتبر الممر الذي يخدم الملاحة البحرية والدولية.. نجد أنها تمتاز بوجود خمسة ممرات مهمة هي: جبل طارق (المغرب)، وقناة السويس، وتيران، وباب المندب، وهرمز. وهذا ما يعطي المنطقة أهمية خاصة.. ولو سألنا عن الطاقة الشمسية.. فالمنطقة تتمتع بموارد شمسية وفيرة، نظراً لموقعها الجغرافي الذي يشمل المناطق الصحراوية والكثافة العالية لأيام الشمس، مما يجعلها الأفضل عالمياً، هذا بالإضافة إلى الثروة الزراعية والحيوانية.
ولو توقفنا عند النفط نجد أن العالم العربي يُعدّ من أغنى مناطق العالم بإنتاج النفط والاحتياطات المؤكدة، هذا فضلاً عن الغاز والاكتشافات الجديدة، التي تؤكد توفره على شواطئ المنطقة. كل ما سبق من مُميزات نمرّ عليها من دون أن نعي أنها ثروات كفيلة أن تكون مَصدر قوة وانتعاش لهذه الأمة التي كانت يوماً نبراساً للعلم والمعرفة، في وقت كانت فيه القارة العجوز غافية في قرونها الوسطى، والقارة الأمريكية في ظلامها الدامس. كان للدور الثقافي الذي لعبته الخلافة العباسية والأموية، من إحياء وترجمة الكتب الإغريقية القديمة، والاستفادة من نشرها ما جعل للثقافة العربية والمؤلفات العلمية والفلسفية الأثر الكبير في حضارة الغرب الذي تعلم منها. لكن المنطقة التي تعرّضت لهزائم مُتتالية استسلمت للإحباط، ولم تعِ أن التاريخ العظيم قد يصبح فخاً إذا ما اكتفت بالتغني به ونسيت الحاضر الأجمل.
وخوفاً من صحوة المنطقة كانت تعود بقرة (غاندي) بين الحين والآخر لتُرمى في الطريق. يقول خبراء علوم الاجتماع في الحروب إن أجيالها خمسة: القتال بالسلاح الأبيض، وبالأسلحة النارية، وبالأسلحة النووية، والتكنولوجية، لكن أهمها أن تترك عدوك يحارب نفسه بنفسه باستخدام الطابور الخامس، وبالاستثمار بالصراعات الفكرية والدينية وتأجيجها.
لماذا يخافون من العرب؟ لأن الصورة الواضحة أمامهم أنهم أمة لا يستهان بها.. فهل تعي الأمة قيمة نفسها؟
عن الخليج الاماراتية