_ محدودية دوام الشرعية:
–إنّ الحديث عن “حق الدولة في الوجود” ليس مجرد عبارة سياسية ذات وقع بلاغي، بل هو إشكالية فلسفية عميقة تتشابك فيها مفاهيم الشرعية، والعدالة، والسيادة، والتاريخ. فحين يُطرح هذا الحق في سياق النزاعات الدولية – كما في حالة إسرائيل وفلسطين – يُراد به غالبًا قطع الطريق أمام النقاش الجاد في شرعية الفعل السياسي للدولة المعنية، عبر افتراض أن كيانها السياسي ذاته يملك حقًا أوليًا، أزليًا، غير قابل للمساس. لكن هذا الافتراض، كما نبه هانس كلسن في نظريته عن القانون الدولي، يخلط بين حقوق الأشخاص وحقوق الكيانات الاعتبارية، ويمنح الدولة صفة “الموضوع الأخلاقي” كما لو كانت فردًا يمتلك مصلحة وجودية مستقلة عن البشر الذين يشكّلونها.
إنّ الدولة، كما بيّن ماكس فيبر، ليست إلا جهازًا بيروقراطيًا سياديًا يحتكر العنف المشروع على إقليم محدد. هي أداة لتنظيم السلطة، وليست ذاتًا أخلاقية لها مصلحة وجودية منفصلة. هنا يثور السؤال الجوهري:
هل يمكن أن يكون للدولة حقٌّ أصيل في الوجود، مستقل عن حقوق مواطنيها؟
التاريخ، من أثينا الكلاسيكية إلى الاتحاد السوفيتي، يقدّم برهانًا مضادًا: الدول تنشأ وتزول، تنقسم أو تندمج، تتغيّر أنظمتها حتى تفقد هويتها السابقة، دون أن يعني ذلك بالضرورة وقوع ظلم تاريخي على الشعوب التي كانت تعيش فيها. إنّ زوال يوغسلافيا أو تشيكوسلوفاكيا، مثلًا، لم يُقرأ كجريمة ضد “حق الكيان” وإنما كتحوّل سياسي وإداري.
يرى الفيلسوف جوزيف راز في “نظرية مصلحة الحقوق” أن وجود الحق يفترض مصلحةً جوهرية ذات وزن كافٍ لفرض واجب على طرف آخر. ووفق هذا التصور، لا يمكن تبرير حق الدولة في الوجود إلا إذا كان استمرارها يحقق مصالح جوهرية لشعبها – الأمن، القانون، الاستقرار، الحريات – على نحو لا يمكن ضمانه بغيرها. لكن حتى لو صحّ هذا الاشتقاق، فهو حق مشتق من حقوق الأفراد، لا حق أصيل للدولة في ذاتها.
أما من منظور العدالة التاريخية، فقد ولدت معظم الدول – كما يوضح بنديكت أندرسون في دراسته لـ”الجماعات المتخيَّلة” – عبر عمليات عنيفة من رسم الحدود، التطهير العرقي، أو الاستيعاب القسري. هذه الولادة العنيفة تُضعف ادعاء أي دولة بامتلاك شرعية مطلقة أو حق أبدي في الوجود، إذ تظل الشرعية مشروعًا متحركًا، يتطلب تصحيح المظالم أو إعادة التأسيس على قاعدة مساواة وحقوق متكافئة.
من هنا، يصبح القول بـ”حق الدولة في الوجود” مجرد تبسيط مخادع إذا لم يُقرَن بتحديد نوع الدولة، ونظامها، ومدى عدالتها. فقد تملك جنوب أفريقيا في عهد ما بعد الفصل العنصري شرعيةً لم تكن تملكها الدولة نفسها قبل 1994، رغم استمرارية الاسم والإقليم. هذا يثبت أن هوية الدولة ليست جغرافيا أو اسمًا، بل نظامًا سياسيًا وأخلاقيًا.
النتيجة الفلسفية هي أن الدولة، من حيث هي أداة سياسية، لا تمتلك حقًا أزليًا في الوجود، بل يتحدد حقها بمدى تحقيقها لحقوق مواطنيها، وبقدرتها على تجنب الظلم الجسيم عند استمرارها أو زوالها. وأي نقاش عن “حق الدولة” لا بد أن يُوازن بين تصحيح المظالم التاريخية وكلفة العدالة الإنسانية في الحاضر، لأن تحطيم الدول قد يكون أحيانًا ضرورة أخلاقية، وقد يكون أحيانًا كارثة أكبر من الظلم الذي يُراد إصلاحه.
بهذا المعنى، كما يمكن أن نستعير من كانط، فإن واجبنا ليس الاعتراف المطلق بحق الدول في الوجود، بل الاعتراف المطلق بحقوق الإنسان، وجعل الدولة – أي دولة – مشروطة بهذا الاعتراف، لا العكس.