ليس في مسار التاريخ سوادٌ مطلق يقابل بياضاً محضاً؛ إذ إنّ الحياة الإنسانية في جوهرها ليست لوحة ثنائية الألوان، بل هي طيفٌ متدرّج يتناوب فيه الضوء والظل، وتتعاقب فيه قوى النهوض والانكسار. وحين نقرأ واقعنا العربي قراءةً علميةً بعقلية استراتيجية، بعيداً عن غواية الانتقاء أو سطوة الرغائب، ندرك أن ما يمر به العالم العربي ليس استثناءً من سنن الكون، بل هو خاضع لقانون جدلي أبدي: الارتقاء والهبوط، القوة والضعف، العطاء والانطفاء.
لقد عرف تاريخنا لحظات ازدهار مدوّية؛ من إشراق حضارات الرافدين والفراعنة والفينيقيين، إلى انبثاق الفكر الفلسفي والعلمي في بغداد وقرطبة ودمشق والقاهرة، إلى إشعاع الرسالات السماوية التي حملت للإنسانية قيماً أخلاقية وكونية. وفي الوقت ذاته، عرفنا لحظات انكسار واحتلال وتفكك، نتيجة تآمر الخارج وخيانة الداخل وتصلّب أنظمة أصرّت على إجهاض روح الأمة بدل رعايتها. لكن هذا التقلّب التاريخي لا يلغي حقيقة كبرى: أنّ الأمة العربية، الممتدة على قارتين، المحاطة بماءين، والمكوّنة من أكثر من نصف مليار إنسان، تحمل في أعماقها سرّ البقاء وإمكانية النهوض مهما تكاثفت العواصف.
إن اختزال هذا الواقع الغني والمتشابك إلى مشهد درامي هنا أو هناك، أو إلى خطاب سوداوي يائس، إنما هو خيانة للحقائق التاريخية ولروح الإنسان العربي الذي لا يزال يحمل ما يحبّه ويدافع عنه وما يؤمن به، رغم كثافة الكبوات. فالوعي الحقيقي لا يتغذّى على التعميمات القاتمة، بل على قراءة نقدية تستحضر البنية الحضارية للأمة، وتحفر في أسباب التراجع دون أن تنكر إمكانات النهوض.
في هذا الأفق، تظل معركتنا الأساسية ضد ما يمكن أن نسمّيه “الميديائي القاتل”، ذلك الخطاب الإعلامي الموجَّه الذي يروّج لانكسار دائم، ويعمل على ليّ عنق العقل العربي، ويصوّره عاجزاً ومشلولاً، فاقداً لإرادة الحياة. والحقيقة أنّ هذا الإعلام ليس سوى انعكاس لقوى الهيمنة التي تسعى إلى تكريس الشعور باللاجدوى، وتفكيك الثقة الجماعية، وزرع الهزيمة في النفوس.
لكن جدلية السواد والبياض تذكّرنا أن الاستسلام لهذا المشهد ليس قدراً محتوماً؛ فالتاريخ علّمنا أن لحظات الانكسار تحمل في طياتها بذور التحوّل، وأن الأمم لا تنهض إلا إذا عرفت كيف تواجه كبواتها بوعي نقدي خلاّق. هنا يتجلّى دور المثقف العربي الحر، الذي يقرأ ماضيه قراءةً نقدية، ويستخرج من واقعه بذور الإصلاح، ويقاوم كل محاولات إفراغ العقل العربي من قدرته على الإنتاج والإبداع.
إنّ الأفق مفتوح دوماً لإعادة بناء الوعي العربي على أسس متينة، تتجاوز ردّات الفعل الانفعالية والخطابات الشوفينية، إلى عقلية استراتيجية تعرف أن الصراع الحضاري ليس صراعاً عسكرياً أو اقتصادياً فحسب، بل هو صراع على المعنى، على امتلاك المستقبل، وعلى تثبيت أن العرب ليسوا مجرّد ضحايا بل فاعلون قادرون على إعادة التوازن.
وهكذا، يصبح السؤال الحقيقي: كيف ننتقل من حالة التمزّق والتبعية إلى حالة الفعل الخلّاق؟ كيف نستحضر من تراثنا الإبداعي ما يعيننا على إعادة تشكيل الحاضر، دون أن نغرق في تمجيدٍ للماضي أو انبهارٍ بالغرب؟
إنّ ما بين السواد المطلق والبياض المحض فسحة واسعة للتفكير والعمل. في هذه الفسحة يكمُن مستقبل الأمة العربية؛ حيث لا مكان لليأس الكلّي ولا للوهم الخالص، بل لوعي نقدي يرى الحقيقة بعمق، ويقاوم القاتل الإعلامي والسياسي، ويستبقي في قلبه شعلة الإيمان بالإنسان العربي وقدرته على النهوض من بين الركام.