منذ أن صاغ فلاسفة العقد الاجتماعي، من هوبز ولوك وروسو، فكرة الدولة كضمانة للأمن والسلم، ارتبطت السياسة بفكرة جوهرية مفادها أن الحياة الجماعية لا تستقيم إلا في ظل عقد يردع العنف ويكبح شهوة الحرب. لكن التاريخ الحديث أثبت أن السلام لم يكن يومًا ثمرة طبيعية للعلاقات بين البشر أو بين الدول، بل مشروعًا هشًّا محكومًا بالمصالح ومهدّدًا دومًا بالانهيار. وفي حين دعا كانط في كتيبه الشهير مشروع للسلام الدائم إلى قيام نظام عالمي قائم على القانون والعقل، جاءت التجربة الدولية المعاصرة – ممثلةً في منظمة الأمم المتحدة – لتجسّد هذا الطموح على نحو مؤسساتي، لكنها وقعت، شأنها شأن الدولة الحديثة، في فخ التناقض بين المثال والواقع.
إذا كان الاجتماع السياسي الحديث قد بُني، كما يقول فلاسفة التعاقد، على مبدأ السلم الاجتماعي، فإن النظام الدولي المعاصر، الذي وُلد من رحم حربين عالميتين، قام على فرضية مماثلة: السلم العالمي. وقد نصّ ميثاق الأمم المتحدة بوضوح على أن الغاية المركزية للنظام الدولي هي صون السلم والأمن، حتى أجاز الفصل السابع استخدام القوة المسلحة – لا لحماية الهيمنة، بل لردع منتهكي السلم. بيد أنّ الوقائع أثبتت أن هذا المثال الأخلاقي سرعان ما اصطدم بمصالح الدول الكبرى، فتحوّل السلم إلى شعار معلّق بين الخطاب والواقع.
هكذا وجدنا أنفسنا أمام مفارقة كبرى: خطاب يزعم أن السلم هو أساس الشرعية الدولية، وواقع تحكمه إرادة المنتصر وتأويلاته. لقد وعى هيغل، من قبل، أن “التاريخ هو ميدان الصراع”، لكن مأساة عصرنا أنّ هذا الصراع صار يدار باسم السلام نفسه. فالنظام الدولي الذي نشأ بعد 1945 قسّم العالم إلى فسطاطين: شعوب محظية تنعم بسلام مضمون بالقوة والقانون، وأخرى محرومة منه لا ترى من “السلام” إلا الاستسلام. وما يؤكد ذلك أن الحرب، كما نبّه ميشيل فوكو، ليست غياب النظام، بل هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى، تُدار لمصلحة قوى الهيمنة.
لقد حوفظ على الحد الأدنى من الاستقرار حتى في أوج الحرب الباردة، تحت شعار “التعايش السلمي”، لكن هذا التوازن لم يلغِ حقيقة أن المصالح كانت هي الحاكم الأوحد. ومع أن أدورنو وهوركهايمر اعتبرا أنّ التنوير نفسه قد انقلب إلى أداة سيطرة، فإنّ السلام لم يسلم من هذا المصير: إذ تحول إلى سلعة سياسية، تُستخدم شعاراتها لتبرير الحروب لا لردعها.
ومثلما رأى نعوم تشومسكي أن النظام الدولي مبني على “سلام إمبراطوري” يُعفي القوي من المحاسبة ويُخضع الضعيف للقهر، فإن الواقع يكشف أنّ السلم في عصرنا ليس قيمة كونية بقدر ما هو أداة لإدارة اختلال القوة. بهذا، يصبح السلام مبدأً مغشوشًا: يُسوَّق بوصفه حقًا عالميًا، لكنه يوزّع على العالم بقسمة ضيزى، ويُحوَّل في مناطق واسعة إلى غطاء لفرض الاستسلام.
_الخاتمة:
إنّ أزمة السلام في العالم المعاصر ليست أزمة قوانين أو مؤسسات، بل أزمة وعي إنساني لم يبرأ بعد من منطق القوة والغلبة. لقد حلم كانط بسلام دائم ينهض على العقل والعدل، غير أنّ التاريخ يكشف أن السلام ظلّ هشًّا، مهدّدًا دوماً بإرادات القوى الكبرى. وإذا كان روسو قد نبّه إلى أنّ “الإنسان وُلد حرًّا ولكنه في كل مكان يرسف في القيود”، فإننا نستطيع أن نقول اليوم: إنّ الإنسانية وُلدت لتعيش في سلام، لكنها ما تزال عالقة في شبكات الحرب والمصالح.
لن يتحقق السلام ما لم يتحوّل من شعار سياسي إلى وعي كوني، ومن توازن قوى إلى عقد إنساني جديد يضع الإنسان – لا الدولة ولا السوق – في قلب العلاقات الدولية. عندها فقط يمكن أن يتحقق ما سمّاه غاندي السلام الإيجابي: سلام العدالة والكرامة، لا سلام الخوف والاستسلام.
