أقنع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتخلي عن صفقة جزئية بعد أن وعده بأن احتلال قطاع غزة خلال أسابيع قليلة سيجعل الصفقة غير ضرورية، لكن رئيس الأركان أوضح أن الأمر غير قابل للتنفيذ في ظل وضع القوى البشرية والآليات في الجيش الإسرائيلي. وفي الأثناء، ينتظر اللاعبون في المنطقة أن تدرك الإدارة الأمريكية أن ما يجري ليس سوى مناورة إعلامية وفق ما افاد تقرير لصحيفة هآرتس الاسرائيلية
التصريح العلني الذي أدلى به ترامب أول أمس (الاثنين)، وقال فيه إن الحرب في قطاع غزة “يجب أن تنتهي، وأعتقد أنها ستنتهي خلال أسبوعين أو ثلاثة”، له دلالة كبيرة. فهو يكشف الفجوة بين الواقع في إسرائيل وبين الرواية التي يقدّمها نتنياهو للبيت الأبيض. مصادر في واشنطن أكدت لصحيفة “هآرتس” أن نتنياهو ووزير الشؤون الإستراتيجية رون دريمر روّجا أمام ترامب عملية عسكرية هجومية للقضاء على حماس وإنهاء الحرب في القطاع، بما يلغي الحاجة إلى التفاوض على صفقة مؤقتة مع الحركة، بينما يقول الجيش الإسرائيلي للقيادة السياسية إن الواقع مختلف تماماً.
في الأسابيع الأخيرة قرر نتنياهو تغيير إستراتيجيته. فقد أقنع ترامب بالتخلي عن صفقة مؤقتة لتحرير عشرة أسرى خشية أن تؤدي إلى تفكك حكومته، ودفعه إلى خيار عملية عسكرية هجومية في مدينة غزة – تلك “برلين حماس” – بزعم أنه إذا احتُلّت المدينة فستنتهي الحرب وسيُفرج عن جميع الأسرى بعد ذلك. ترامب، الذي تحمس لاستخدام القوة عقب الحرب التي يعتبرها ناجحة ضد إيران، اقتنع ومنح نتنياهو بضعة أسابيع لدفع الخطة قدماً. نتنياهو مغرم بالخطة الجديدة ويدفعها بقوة من خلال أدواته الدعائية. أما اقتراح بيني غانتس الانضمام إلى الحكومة لدفع صفقة، فلم يُبحث عند نتنياهو على الإطلاق ويُعتبر بمثابة نكتة سخيفة. وجهته السياسية واضحة نحو اليمين المتشدد لا إلى الوسط.
غير أن محادثات “هآرتس” مع مصادر مطلعة في واشنطن تُظهر أن تسويق نتنياهو كان – كعادته – مبالغاً فيه: فقد وعد ترامب بخطة غير قابلة للتنفيذ، وهي حسم حماس خلال بضعة أسابيع. ومن المقرر أن يصل ترامب في 17 سبتمبر إلى بريطانيا في زيارة تستمر ثلاثة أيام، ويحاول نتنياهو إقناعه بالقدوم إلى إسرائيل قبل ذلك، عندما يُفترض – بحسب وعوده – أن تكون حماس قد هُزمت وأن صفقة لإنهاء الحرب باتت وشيكة.
أمس عقد نتنياهو اجتماعاً قصيراً للمجلس الوزاري المصغر لمناقشة خطة حسم غزة. نتنياهو يتجنب عقد هذا المجلس ما لم يكن مضطراً، لأنه يعلم أن رئيس الأركان خليفته إيال زمير يسجل في البروتوكول كل المشكلات والثغرات في العملية المخطط لها بمدينة غزة، وأن الوزيرين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير يستغلان ذلك لكسب نقاط في الرأي العام المؤيد لنتنياهو. في كل الأحوال، القرارات المهمة يتخذها نتنياهو بمفرده، والمجلس الوزاري المصغر، بكل وزرائه من الليكود، ليس سوى ختم مطاطي ومنبر لتبادل الآراء اليومية.
الصورة الاستخبارية المعروضة أمام المجلس لا تتطابق مع التفاؤل والحيوية التي عادت إلى وجه نتنياهو. فبعض المعلومات الاستخبارية تشير إلى خشية داخل حماس من العملية الوشيكة في مدينة غزة، بينما تظهر تقارير أخرى أن عزيمة المقاتلين الجهاديين لم تتغير – بالنسبة لهم المعركة ناجحة ومهمة ويمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.
في الأيام الأخيرة، يقول رئيس الأركان للقيادة السياسية إن طلب نتنياهو تقصير مدة الاستعداد لاحتلال غزة جميل على الورق، لكنه غير عملي ميدانياً بسبب النقص الحاد في القوى البشرية داخل الجيش الإسرائيلي، وحالة الجاهزية المتردية للآليات، والحذر المطلوب لتجنب الخسائر البشرية. ولا يُستبعد أن رئيس الأركان يستخدم أسلوب نتنياهو نفسه في كسب الوقت، على أمل أن ييأس ترامب من الخطة الجديدة ويفرض على إسرائيل القبول بالصفقة القطرية المطروحة.
جميع الأطراف في المنطقة ينتظرون أن يدرك ترامب أن خطة احتلال غزة ليست سوى مناورة إعلامية ستجلب الخراب والدمار والموت، ولن تدفع حماس للاستسلام وفق شروط نتنياهو. وفي الدوحة عبّروا أمس عن استيائهم العلني من رفض إسرائيل مناقشة الصفقة المؤقتة المقترحة. رسائل بهذا المعنى تُنقل أيضاً إلى فريق ترامب، لكن حتى الآن لا يوجد من يصغي. وخلال الأسبوعين المقبلين، للأسف، لن يحدث شيء: إما أن يفهم ترامب، وإما لا، وسيستمر الوقت في التمدد والتمدد وصولاً إلى الذكرى السنوية الثانية لحرب السابع من أكتوبر.