السياسي – إسرائيل تدمر غزة الآن. سموا هذا تطهيراً عرقياً، سموه محواً، ويمكنكم تسميته إبادة جماعية، سموه ما شئتم. لا شك لدي بأن من وضع مفهوم إبادة جماعية، رجل القانون اليهودي البولندي رفائيل ليمكن، كان سيكتب بدموع الخجل أن دولة اليهود ترتكب إبادة جماعية في غزة. هي تدمر المكان وتصفي المجموعة الإنسانية التي تعيش فيه.
التدمير المادي لفضاء غزة هو تدمير ممنهج، بيت وراء بيت، مبنى عام وراء مبنى عام، بنية تحتية وراء أخرى.. مكان كان بيتاً لأكثر من مليون شخص، أصبح تحت الصفر. مؤسسات تعليمية، عيادات، حوانيت، بنى تحتية للمياه والكهرباء والمجاري، شوارع وأرصفة، كل ذلك أصبح رماداً. بيانات تم حسابها استناداً إلى صور جوية، فإن 70 في المئة من مباني القطاع تم تدميرها بالكامل أو تضررت بشكل لا يسمح باستخدامها، هذا قبل عملية “عربات جدعون 2” وتنفيذ وعد وزير الدفاع لحاخامات “الصهيونية الدينية” بأن “غزة ستكون مثل بيت حانون”.
قتل السكان جماعياً أمر فوضوي يفوق تدمير الفضاء المادي. وهذا يُنفذبالقصف والقذائف غير المتزن وتدمير المنظومة الصحية، وللفظاعة، من خلال التجويع؛ بخلق الجوع الجماعي بمنع إدخال الطعام والمساعدات الإنسانية عمداً، وبتدمير المنظومة الدولية التي ضخت المساعدات لمئات مراكز التوزيع في القطاع، واستبدالها بأربعة مراكز فقط، ثلاثة في منطقة الجنوب وواحد في الوسط. لا يوجد في الشمال أي شيء. كل ذلك لفرض الهجرة على الغزيين. مثلما يقودون كلباً ويدفعونه للخروج من البيت إلىالساحة باستخدام صحن طعام. عدد الذين يموتون جوعاً لا يمكن تخيله. صور تقشعر لها الأبدان. إسرائيل تقوم تدمر غزة.
كيف يمكن إذاً مواصلة العيش كجزء في جماعة ترتكب الإبادة؟ كيف نستيقظ صباحاً وننظر مباشرة إلى البقال الذي عاد للتو من الاحتياط؟ والجندي الذي يجلس في المقهى أو الجارة التي علقت لافتة كتب عليها “معاًننتصر”؟ من السهل النظر إلى بن غفير وسموتريتش ثم نشعر بأن الأمر لا يتعلق بنا. والشيء المهدئ جداً هو التفكير بهذين الفاشيين، اللذين خلافاًلنظرائهم في إيطاليا وألمانيا، لا يوجد لديهما طبقة أو جمال، بل عنصرية جامحة وقسوة سادية، والنظر إليهما والاسترخاء. من الأسهل مشاهدة سموتريتش وهو يبالغ في وصفه الأخلاقي ويتفاخر بتجويع سكان غزة، ويقول بأن التضحية بالمخطوفين ليست أمراً فظيعاً. ومن الأسهل الاستهزاء ببن غفير الذي تستفزه فكرة التطهير العرقي (التي يسميها “التشجيع على الهجرة”)، ثم نقول لأنفسنا بأننا لسنا مثله.
لكن المشروع الأزعر الذي لا يغتفر لإبادة غزة هو مشروع إسرائيلي – عام. لم يكن ليحدث بدون تعاون – سواء بالإسهام الفعال أو بالصمت – كل أجزاء المجتمع اليهودي في البلاد. الولاء للجريمة سبق وحققته الحكومة في أيام الحرب الأولى، عندما تبلور طابع الهجوم الإسرائيلي على غزة كهجوم شامل على كل ما هو غزي، هجوم لا يتفاخر بالتركيز على الأهداف العسكرية.
في تلك الأيام، عندما أسكتت طبول الحرب الأصوات التي تحذر من جرائم الحرب، علقت كل أجزاء المجتمع بسلاسل المشاركة في الجريمة. ومثل عضو جديد في المافيا، الذي يطلب منه في حضرة الرئيس ومساعديه إطلاق النار على صاحب المصلحة التجارية الذي لم يدفع رسوم الحماية، هكذا يُخلق حلف الدم مع العائلة، وهكذا هم مئات آلاف الإسرائيليين الذين تجندوا لدعوة التفجير والتحطيم والمحو والتجويع. مئات الآلاف الذين يتحملون المسؤولية عن الإبادة بشكل مباشر، والملايين بشكل غير مباشر، ملزمون بهذه المؤامرة الجنائية ونفيها، وإذا تعذر نفيها فإنهم ملزمون بتبريرها.
الآن، لا شك فيا يحدث في غزة. إسرائيل ترتكب جرائم ضد الإنسانية بأحجام تجمد الدم في العروق. هي تدمر البنى التحتية التي تمكن من العيش في القطاع وتجوع سكانه. ثم تعلن رسمياً عن نية القيام بالتطهير العرقي في القطاع أو تنفيذ “حلم” ترامب، كما تسمى خطة التطهير على لسان نتنياهو. دارث فيدر الإسرائيلي، الذي كرس نفسه كلياً للجانب المظلم من القوة.
حتى الآن، حيث كل شيء أصبح واضحاً ويصعب تكذيب أننا ننفذ إبادة جماعية، بات على الإسرائيليين بشكل عام إنزال الستارة ومواصلة روتين حياتهم؛ فلا توجد نقابة مهنية واحدة في إسرائيل تتجرأ على إطلاق صرخة أخلاقية ضد الإبادة، سواء الهستدروت الصحية التي تصمت صمتاًمرضياً إزاء تدمير ممنهج لمنظومة الصحة في غزة، وقتل أكثر من 1500 شخص من الطواقم الطبية، أو منظمات المعلمين الصامتين على تدمير الجهاز التعليمي في القطاع، ولا حتى مكاتب المحاماة التي تعرف كيف تطالب باعتقال وزير العدل بسبب تغييره أقفال مكتبه ليهين المستشارة القانونية للحكومة، ولكنها لا ترى صحة في قول كلمة واحدة عن خطة ترانسفير وتجويع تنتنهجها الحكومة، وعن قصف المحاكم في غزة وتجويع وتنكيل بالسجناء الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، التي أصبحت معسكرات تعذيب، وعن تعاون يثير غضب المحكمة العليا.
أي عار في أن تكون عضواً في نقابة مهنية قانونية، تناضل من أجل إلغاء ذريعة المعقولية، لكنها لا تقول كلمة عن واجب السماح للمساعدات الإنسانية بالوصول إلى المدنيين الجائعين، أو السماح بزيارة الصليب الأحمر لأسرى العدو. وماذا عن وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تمثل التيار العام؟ من الخسارة إضاعة الوقت على من يسمون أنفسهم “مراسلين”، الذين تآمروا على عدم الإبلاغ عن المعاناة التي نتسبب فيها لسكان غزة، وهي مؤامرة تعتبر جريمة مهنية، والكتابة عن الذين دعوا للحرب خلال أشهر وأشعلوها وسمحوا بالتحريض على ارتكاب الجرائم، والذين يمنعون حتى الآن إسماع الانتقادات، والذين لم ينبسوا ببنت شفة ضد قتل متسلسل يطال الصحافيين في غزة، وضد رفض السماح بحرية دخول صحافيين إليها، وليس بدبابات الجيش الإسرائيلي أو من أجل خدمة أكاذيب المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي.
وسائل الإعلام في إسرائيل مثل نار القبيلة التي تحرق غزة بلهبها. أنت لا تختار عائلتك، وإسرائيل هي عائلتي. وهي عائلة جريمة. فكيف إذاً يمكن مواصلة العيش مع هذه العائلة؟ كل شيء ملوث. في نفس المساء الذي نشر فيه “ملحق هآرتس” عشرات الصور لأطفال نحن من جوعناهم، ها هي”أخبار 12″ تبث تقرير علاقات عامة عن مطاعم فاخرة في إسرائيل، وعن نجوم الطبخ التي سيحصل عليها “شيفاتنا” الكبار.
مايكل كورلياونا، اعتقد بأنه يمكنه إبقاء جزء من العائلة، فيتجنب حياة الجريمة. في النهاية، ورث والده وتحول إلى رئيس منظمة الجريمة العائلية. هناك طريقتان لتجنب هذا المصير المشابه: الأولى، طلاق العائلة بشكل لا رجعة عنه. في السنتين الأخيرتين، كثيرون غادروا البلاد، لكن هناك احتمالية أخرى وهي محاربة العائلة، المحاربة حقاً، معرفة العدو الذي في العائلة إبان هذه المرحلة.
المشكلة ليست بن غفير وسموتريتش؛ لأن الشر ينبعث من بؤر كثيرة، منها “فقط ليس بيبي”، التي تعتبر ليبرالية في إسرائيليتنا المشوهة. وثمة متمردون من أبناء العائلة، منهم من يعمل في سلك التعليم، ومنهم فنانون ومفكرون، ومحامون، ومراسلون، وأطباء، وعاملون اجتماعيون، وأكاديميون، وناشطون كثيرون، تجرأوا على رفع صوتهم ضد إبادة غزة من خلال العرائض والأفلام والمظاهرات.
نحن قلائل، لكن لنا وزن. معاً نناضل ضد عائلتنا بالوسائل غير العنيفة. السير في طريق أبينا إبراهيم، الذي حسب التوراة، حطم الأصنام التي كان يعبدها آباؤه. وطريق سيدنا موسى الذي تمرد على عائلته المصرية التي تبنته من ليقود شعب العبيد إلى الحرية. وطريق جميع الأنبياء الذين وبخوا الشعب المخطئ والملوك المجرمين. بمفاهيم هذه الأيام، فهذا يعني تأييد الرافضين والتشجيع على التحقيقات الدولية والدعوة إلى فرض العقوبات والعزلة السياسية على إسرائيل، وأن نُدخل عن طريق الأرجل ما لا يدخل عن طريق العقل والقلب، وأن نحافظ على قيم الإنسانية، والأكثرأهمية، هو وقف الإبادة.
ميخائيل سفارد
هآرتس 29/8/2025