الماضي المعلّق بين سطوة السياسي ورؤية المثقف: جدلية الحاضر والمستقبل:

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين.

يضعنا الصراع بين السياسي والمثقف أمام واحدة من أعقد الجدليات في تاريخنا العربي: كيف يمكن للمجتمع أن يتقدّم بينما السياسي يراوح في قدسية الماضي، والمثقف يسعى لإنتاج الحاضر والتطلّع إلى المستقبل؟

فالسياسي العربي ظلّ ـ كما يقول الفيلسوف أنطونيو غرامشي ـ أسير “هيمنة النخبة الحاكمة” التي تكتب التاريخ بأقلام المنتصرين، وتعيد صياغته بما يخدم السلطة لا الحقيقة. هكذا تمّ تزييف الوعي العام عبر خطابٍ يعظّم السلطة، ويقدّس الماضي، ويُبقي المجتمع في أسر الدوران حول ذاته. أما المثقف الحقيقي، فهو من يستشرف الآتي ويعمل على كشف التناقضات، ليعيد وصل الحاضر بجذوره الحية، لا بأشباح الماضي الميت.

لقد حذّر ابن خلدون منذ قرون من أن الترف والركون إلى السلطة والهيمنة على حساب العمران البشري يؤدّي إلى انهيار الحضارات. ومع ذلك ما زال السياسيون العرب يقدّسون أحداثاً بالية ويحوّلون الهزائم إلى انتصارات وهمية، فيما تتوالى الانقسامات الطائفية والمذهبية والعرقية التي جعلت مجتمعاتنا هشّة وفاقدة لبوصلة المستقبل.
إن المثقف، كما يرى إدوارد سعيد، ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل هو “هاوٍ للحقيقة” يقف في مواجهة السلطة، ويعيد بناء خطابٍ نقدي يُحرّر المجتمع من استلابه. غير أنّ السياسي يضع العراقيل أمام هذا الدور، إذ يختبئ وراء الماضي، ويُشيع تقديسه، ليعطّل أي محاولة للتحديث والتجديد. هكذا يصبح الماضي عبئاً يقيّد الحاضر، بدل أن يكون رافعة معرفية وحضارية.
المفارقة أنّ بعض الماضي يحمل بالفعل إشعاعات من المعرفة والإبداع، من علوم وفنون وفكر إنساني خدم البشرية، لكن السياسي ـ بدلاً من الاستلهام النقدي الخلّاق ـ يستعمل الماضي كأداة لإعادة إنتاج السلطة والقمع. بينما المثقف الواعي يرفض القطيعة المطلقة مع التاريخ، لكنه يطالب بتجاوزه نقدياً، على نحو ما دعا إليه طه حسين في مشروعه للتنوير، حين أكّد ضرورة الأخذ بروح العصر مع الاحتفاظ بجوهر القيم الإنسانية.
إن التحدّي الأكبر اليوم يكمن في بناء حاضرٍ لا يُستعبد لسطوة الماضي، بل يحوّل دروسه إلى قوةٍ لصناعة المستقبل. فالتاريخ ـ كما يعبّر هيغل ـ ليس تكراراً للأحداث، بل حركة جدلية نحو الحرية. وهنا يظهر دور المثقف: أن يزرع في وعي الأجيال الجديدة قيم الحرية والعدالة والمعرفة، بعيداً عن ازدواجية الخطاب التي حوّلت حياتنا السياسية إلى فوضى.
لقد أثبتت الثورات العربية المعاصرة أن الشباب هم الفاعل الأبرز في تجاوز هذا الإرث المثقل، وأنهم يطالبون بمستقبل يقوم على الديمقراطية والحداثة والعدالة الاجتماعية. لكن من دون مشروع ثقافي نقدي يقوده مثقفون أحرار، سيظل السياسي يعيد إنتاج ذاته بأقنعة جديدة.
إن جدلية العلاقة بين السياسي والمثقف ليست قدراً محتوماً، بل هي معركة وعي. فإما أن يبقى السياسي سجين الماضي، وتبقى مجتمعاتنا في دوامة الانقسام والجمود، أو ينجح المثقف في انتزاع زمام المبادرة، ليؤسس مع الأجيال الجديدة واقعاً أكثر إنسانية يليق بتاريخنا الحضاري العميق، ويمنحنا مكانةً حقيقية بين الأمم.