ليست غزّة مجرد رقعة جغرافية تُقصف، ولا القدس مجرّد مدينةٍ تُثقلها الأزمنة بالجراح؛ إنهما معاً النبض الأخير الذي يُذكّر العالم بأن الروح العربية لا تزال قادرة على حمل مصائرها فوق الأعاصير. هناك، حيث يتداخل الرماد مع الضوء، وحيث يُكتب الألم على جدران الليل بالدمع الحار، تنهض غزّة والقدس كوجهين لصمودٍ واحد، وكصوتين لصرخة لا تنكسر.
غزّة، تلك التي تُدمي ولا تنحني، تُرتّل في عتمة الليل وجه الردى، ثم تُقيم فوق جرحها معبداً لصوت الحياة. تُصافح الحصار بأصابع من صبرٍ لا ينفد، وتزرع في الرمل ما يزهر رغم المطر الغائب. في كل زفرةٍ لها نارُ نهوضٍ لا تُخمد، وفي كل دمعةٍ رغبةٌ في الامتداد لا تعرف الانثناء. وإذا كانت المدن تموت حين تخذلها الذاكرة، فإن غزّة مدينةٌ تحيا لأنها تُعيد خلق نفسها من حطامها، كأنها العنقاء التي لا يليق بها سوى الولادة من النار.
وفي موازاة هذا الجرح، تقف القدس، المدينة التي تبكي ولا تذلّ، تصلي وحدها في كل زاوية، وتنتفض كجذوةٍ تحت الرماد كلما أُطفئت قناديلها. المآذن ترتفع مع كل دمعة، والحجارة – تلك الشاهدة على الزمن – تحمل في صمتها النهاية والبدايات. القدس ليست مدينة؛ إنها ميثاق الذاكرة الأولى، ووعدُ الروح لمن لم يهن، ونقطة الابتداء لكل حريةٍ تُبنى فوق كتف المستحيل.
ثم يأتي أطفال غزّة، أولئك الذين جعلوا من براءتهم مدرسةً للصمود، ومن ألعابهم نشيداً يعلو على هدير الطائرات. يرسمون وجه الحياة على الرمل، يحملون الفجر إن ابتعد، ويُقيمون مدرسةً في ظلّ جدارٍ مائل. في كل طفلٍ منهم ترتيلُ البقاء، وفي كل لعبةٍ تصرُّفٌ لا يعرف الانكسار. هؤلاء الصغار، الذين شاء لهم القدر أن يولدوا في زمن النار، هم الذين يكتبون للنصر وجهاً آخر، ويمدّون للحلم ضوءه حين ينطفئ.
غزّة والقدس، وأطفالكم…
وجوهٌ تتعانق فيها الدموع بالنشيد، ويستيقظ المجد في حضرة الحنين المتجدد. أنتم دمٌ يجري في خرائط الروح، ونشيدٌ يصعد في كل صلاة، وحلمٌ لا يمكن للغبار أن يطفئه.
ولأجلكم، يبقى الشعر قائماً، يبقى النداء ممتداً، ويبقى القلب معلّقاً بسماءٍ تعرف أنّ الحقّ – مهما تهشّم – لا يموت.
أنتم البقاء… وأنتم النشيد…
وأنتم، في كل فجرٍ، من يُعيد للهواء رائحته الأولى.







