خلافات حماس الجزء الثامن: انتخابات حماس 2021: السنوار يفوز بالتزوير وصراع النفوذ الداخلي والخارجي

بقلم: علاء مطر

 

لم تمر انتخابات رئاسة المكتب السياسي لحركة حماس في قطاع غزة، مارس 2021 بهدوء كما جرت العادة، بل انفجرت كواحدة من أكثر المحطات التنظيمية إثارة للجدل في تاريخ الحركة، بعدما كسرت كل القواعد التنظيمية المألوفة وتحولت إلى ساحة صراع محتدم.

لقد دخل يحيى السنوار السباق الانتخابي في مواجهة مباشرة مع القيادي نزار عوض الله، في معركة عكست انقساما واضحا داخل البنية التنظيمية للحركة، إذ أظهرت نتائج الجولات الأولى تقدما ملحوظا لعوض الله داخل عدد من المناطق الشورية ذات الثقل التنظيمي، لا سيما منطقتي شمال قطاع غزة ومدينة غزة، غير أن هذا التقدم لم يكن كافيا لحسم المعركة، إذ عجز أي من المرشحين عن بلوغ عتبة الحسم المنصوص عليها في النظام الانتخابي الداخلي (50%+1)، ما أبقى المشهد مفتوحا على جولات إعادة متتالية.

ولتوضيح ما جرى، تنصّ لوائح النظام الانتخابي الداخلي لحركة حماس على أنه في حال عدم حصول أي من المرشحين على نسبة (50%+1) من الأصوات في أي جولة انتخابية، تُعاد الانتخابات، وبناء على عدد أعضاء الهيئة الناخبة، يتطلب الفوز برئاسة المكتب السياسي في  غزة الحصول على ما لا يقل عن 161 صوتا، غير أن هذا النصاب لم يتحقق في الجولة الأولى ولا في جولتي الإعادة الأولى والثانية، وفي جولة الإعادة الثالثة، تمكّن السنوار من حسم المنافسة بعد حصوله على 167 صوتا، متجاوزا نسبة الحسم المطلوبة، مقابل 153 صوتا لمنافسه عوض الله.

ولكن كيف جاء هذا التحول الدراماتيكي؟ تبدأ القصة عندما جرى انتخاب يحيى السنوار رئيسا للمكتب السياسي في غزة للمرة الأولى عام 2017، حيث كان يرى أن حماس أخطأت بتورطها في أحداث انقلاب عام 2007، وعلى ذلك، شنّ حملة تطهير واسعة داخل صفوف الحركة، استهدفت التخلص من المنافسين والمتنفذين، الأمر الذي خلق حالة من النفور تجاهه ،لا سيما في أوساط القيادات المتضررة منه.

 

ديكتاتور غزة.. هكذا فرض السنوار نفسه قائدا أوحد واحتكر القرار داخل حماس؟ الجزء السابع

وقد أسهم ذلك في تشكّل تيارين داخل الحركة، الأول يُعرف بتيار “المشايخ” أو تيار الإخوان التقليديين يمثله عوض الله، والثاني تيار شبابي يبرز فلسطين والمقاومة في خطابه، يمثله السنوار.

والصحيح أن تيار “المشايخ” داخل الحركة، حاول هذه المرة إنهاء قيادة السنوار للحركة بغزة، سواء في مرحلة الإعداد للانتخابات أو خلال التصويت وجولات الإعادة المتتالية، وأجرى تغييرات في بنية مجلس الشورى العام.

ففي انتخابات عام 2017، كان مجلس الشورى يضم 87 عضوا “غالبيتهم مؤيدون للسنوار” تم اختيارهم من مجالس شورى المناطق الشورية السبع، إضافة إلى أعضاء أمضوا أكثر من عشر سنوات في صفوف الحركة، أما في الانتخابات الأخيرة، ضم مجلس الشورى كل مجالس شورى المناطق الشورية الكبرى، علاوة على أنه ضم كل أخ أمضى على بيعته للجماعة 10 سنوات فما فوق ولم يحصل على مرتبة نقيب لأسباب تتعلق بمؤهلاته وقدراته على ترأس أسرة إخوانية.

وعلى ذلك زاد عدد أعضاء مجلس الشورى العام في قطاع غزة هذه المرة إلى 320 عضو، موزعين على 7 مناطق شورية كبرى (شمال قطاع غزة، مدينة غزة بمناطقها الثلاث، المنطقة الوسطى، خانيونس، رفح)، بشرط أن يبلغ عدد النساء (الأخوات) 50 عضو، وقد انتهت مراحل انتخابه قبل انتخابات رئاسة المكتب السياسي بأسبوع فقط وفاز برئاسته آنذاك أسامة المزيني.

والحقيقة، أن العامل الجغرافي آنذاك كان عاملا حاسما لعامل التنافس بين المرشّحين الاثنين، حيث لم يحصل عوض الله على أي من أصوات الناخبين في منطقة خانيونس مسقط رأس السنوار، فيما لم يحصل السنوار على أكثر من عشرين صوت من مدينة غزة التي يسكنها عوض الله، وبدى التنافس يدور بين شمال القطاع، وجنوب القطاع والوسطى، وقد ظل الأمر كذلك إلى أن حدث الانقلاب في جولة الإعادة الرابعة، وصب شمال القطاع برئاسة فتحي حماد أصواته لصالح السنوار، بعد ضغوطات كبيرة خصوصا من الإقليم وقطر وتركيا.

ومع انتهاء جولة الإعادة الثانية، سادت أجواء داخلية وخارجية أوحت بأن كفّة عوض الله باتت هي الراجحة، خصوصا في ظل تسريبات تحدثت عن حسمه للانتخابات، غير أن المشهد انقلب بشكل مفاجئ، عقب إعلان اللجنة القانونية في الحركة، برئاسة القيادي فرج الغول، التوجه نحو جولة إعادة ثالثة، في خطوة اعتبرها كثيرون غير مبررة تنظيميا.

هذا القرار فجّر حالة واسعة من الجدل والشكوك داخل صفوف الحركة، إذ رأى قطاع من الكوادر والقيادات أن ما جرى هدفه إعادة توجيه مسار الانتخابات، وشكل من أشكال التزوير السياسي المنظم لضمان بقاء يحيى السنوار على رأس المكتب السياسي بغزة.

وفي الوقت الذي نفت فيه حماس آنذاك وجود أي شكل من أشكال التزوير، إلا أن الأمر سلّط الضوء على منطقة شمال غزة، والتي تحوّل أصوات ناخبيها في الجولة الرابعة إلى السنوار، بعد أن كانت لصالح عوض الله قبل هذه الجولة.

هذا التحول لم يكن معزولا عن الواقع التنظيمي، إذ تُعدّ منطقة شمال غزة من أكثر المناطق ثِقلا داخل الحركة، وقد ارتبط هذا التغير بدور قيادة المنطقة، وعلى رأسها فتحي حماد، الذي يُنظر إليه كأحد الفاعلين الرئيسيين، لكن سرعان ما انقلب عليه السنوار ونفاه خارج القطاع الى تركيا، حيث يتهمه بالفساد الإداري والتنظيمي وقضايا اختلاسات مالية.

وبذلك، كشفت انتخابات عام 2021 بوضوح عن انقسام حقيقي داخل حركة حماس، تمثّل في وجود تيارين رئيسيين، تيار “المشايخ” الكلاسيكي، مثّله عوض الله، وتيار آخر أكثر تشددا وعسكرةً، مثّله يحيى السنوار، ليأتي فوز الأخير آنذاك بمثابة رسالة إلى تيار الخارج “البراغماتين” بأن تيار غزة الناهي والآمر في قرارها، وهو ما تغير تماما بعد السابع من أكتوبر، حيث انقلبت الأمور وأصبح الخارج هو المسيطر على القرار، وللحديث بقية في المقال القادم.