بين الطغيان والاستعباد: من يصنع من؟:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

يجدر بنا البحث المعمق في جدلية السلطة والوعي والخراب الاجتماعي.
ليست الطغاة كائناتٍ هبطت من فراغ، ولا الاستبداد عاهةً تصيب التاريخ مصادفة؛ إنما هو نتاج علاقة معقّدة بين سلطةٍ تتغذّى على الخوف، ووعيٍ يتآكل حتى يتماهى مع القيد. فحين تُختزل السلطة في فرد، ويُختزل المجتمع في جمهورٍ خائف، لا يعود الطغيان حادثًا عارضًا، بل يصبح بنيةً مستقرّة، تعيد إنتاج ذاتها عبر الأجيال.
إن أخطر ما في الاستبداد ليس بطش الطاغية، بل نجاحه في تحويل الخضوع إلى ثقافة، وفي جعل الطاعة فضيلة، والاعتراض رذيلة، والصمت حكمة. عند هذه النقطة، لا يعود الطغيان مفروضًا من أعلى فحسب، بل يُستبطن في النفوس، ويُمارَس يوميًا في العلاقات، في التربية، في الخطاب الديني، وفي اللغة ذاتها.
يخطئ من يظن أن الاستعباد حالة جسدية فقط؛ فالعبودية الأشد فتكًا هي تلك التي تُصيب الوعي. حين يتعوّد الإنسان على القهر، يتعلّم كيف يُبرّره، ثم كيف يُدافع عنه، وأخيرًا كيف يُعيد إنتاجه حين تُتاح له سلطة صغيرة. وهكذا يتحوّل المقهور إلى حارسٍ غير معلن لمنظومة القمع، لا لأنه شرير، بل لأنه لم يتعلّم الحرية.
في هذا السياق، لا يمكن فصل الطاغية عن البنية الاجتماعية التي تسمح له بالاستمرار. فالخوف الجماعي، والانقسام، وتديين السياسة، وتقديس الزعيم، كلّها عناصر تُمهّد الطريق لولادة الاستبداد. وكما أشار ابن خلدون في تحليله للدولة، فإن القهر الطويل يُفسد الأخلاق، ويكسر روح المبادرة، ويحوّل الإنسان من فاعلٍ في التاريخ إلى كائنٍ ينتظر الأوامر.
غير أنّ تحميل الشعوب وحدها مسؤولية الطغيان لا يقل خطورة عن تبرئة الطغاة. فالقهر الممنهج لا يترك للناس هامشًا متكافئًا للفعل، والاستبداد لا يكتفي بإخضاع الأجساد، بل يُحكم سيطرته على التعليم والإعلام والاقتصاد، فيُفرغ الحرية من مضمونها قبل أن يمنعها قانونيًا. ومع ذلك، تبقى الحقيقة المؤلمة: لا وطن يُبنى بعقول مستكينة، ولا دولة حديثة تقوم على مواطنٍ يرى في الحاكم قدرًا لا يُناقش.
إن زوال الطغاة لا يكفي إن بقيت البنية الذهنية التي أنتجتهم. فالتاريخ مليء بأمثلة سقوط أنظمة وبقاء العقل الاستبدادي، يعيد تشكيل نفسه بأسماء جديدة وشعارات مختلفة. لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد الطغيان السياسي، بل ضد الاستعباد الداخلي: ضد الخوف، وضد تقديس القوة، وضد وهم الخلاص الفردي.
الحرية لا تُمنح، بل تُتعلَّم؛ وهي قبل أن تكون نظامًا سياسيًا، بنية وعي. وحين يتغيّر الوعي، يفقد الطاغية مبرّر وجوده، ويصبح الاستبداد عبئًا لا نظامًا. عندها فقط، لا يسقط الطاغية لأن بديله أقوى، بل لأن المجتمع لم يعد صالحًا لإنتاج الطغيان.