في الخامس من سبتمبر عام 1981 فُتِحَت أبواب السجون لتستقبل رموز التيارات الدينية والسياسية والفكرية والصحفية في مصر، بالإضافة لكل من فتح فمه ولو بكلمة ضد معاهدة كامب ديفيد (التي عقدها مصرالسادات مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأمريكية عام 1978)، أو ضد الفساد، أو ضد استغلال القضية الطائفية في مصر. وكان الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل من بين المعتقلين في تلك الموجة؛ وهو أحد أبرز الصحفيين المصريين في ذلك الوقت. وكانت هذه هي المرة الأولى طوال حياة هيكل التي تجرع فيها مرارة السجن والاعتقال. كان لدى هيكل سلاح جبار يخشاه الجميع، وهذا السلاح هو الذي جعله واثقًا من أنه لن يُعتقل أبدًا من قِبَل أي نظان حكم. فلما تجاوز السادات الحد؛ وأمر باعتقال هيكل وإلقائه بالسجن، قرر هيكل أن يصوب إلى السادات طلقات سلاحه الجبار (الأرشيف) الذي كان حافلاً بمستندات بالغة الأهمية.
لقد كان هذا السلاح، منذ البداية، نتاجًا لظاهرة الحكم الفردي التي ازدهر في ظلها هيكل. فمن خلال صلته الوثيقة بعبد الناصر، كانت الأسرار والوثائق الخطيرة تأتيه وحده دون غيره، وكان هو ذاته يحرص على تسجيل كل صغيرة وكبيرة تدور حوله، مدركًا بذكاء أن كل كلمة تُسجل يمكن أن تكون مصدر قوة له في يوم من الأيام. لقد أتيحت لمحمد حسنين هيكل فرصة الاطلاع على ما لم يكن متاحًا للآخرين أو مطروحًا على الناس وهداه ذكاؤه إلى أن يسجل أولاً بأول كل ما هو »خفي« و»ممنوع«. (فؤاد زكريا، كم عمر الغضب؟، الطبعة الأولى، شركة كاظمة للنشر والترجمة والتوزيع، الكويت، 1983، ص ص 16 – 17.)
ومنذ أن تبين لهيكل أن الناس يتلهفون على قراءة الأسرار التي لا يعرفها أحد؛ واظب على كتابة مقاله الأسبوعي الذي كان يتصدر الصفحة الأولى من جريدة الأهرام صباح كل يوم جمعة تحت عنوان »بصراحة«، وعقب صدوره بجريدة الأهرام كان يذاع المقال في اليوم نفسه على موجة البرنامج العام من إذاعة القاهرة عقب نشرة الأخبار الخامسة مساءً، وكذلك يذاع هذا المقال على موجة إذاعة صوت العرب، وتقوم بنشره عدة صحف خليجية في اليوم نفسه الذي تنشره فيه جريدة الأهرام، فضلاً عن ترجمة مقتبسات منه في الصحف العالمية. وصل الأمر إلى حد أن المهتمين بالشأن السياسي والمصري والعربي كانوا جميعًا يترقبون صدور مقال هيكل سعيًا لمعرفة ما يدور في رأس عبد الناصر، أو بغية استقراء ما سيقع من أحداث في المنطقة العربية في المقبل من الأيام.
حين تولى السادات الحكم في اكتوبر 1970 بعد رحيل عبد الناصر – شرع تدريجيًا – في انتهاج سياسات مناهضة تمام لسياسات عبد الناصر من حيث المضمون، لكن من حيث الشكل أي الحكم الفردي فكانت سياستهما واحدة، وبالتالي زادت حدة المعارضة تجاه السياسات التي اتبعها نظام حكم محمد أنور السادات وخصوصًا سياسة الانفتاح الاقتصادي الذي جعل كل شئ في مصر »سداح مداح« على حد تعبير الكاتب الكبير المرحوم أحمد بهاء الدين، وكذلك توقيعه اتفاقية سلام من إسرائيل، والارتماء في أحضان الولايات المتحدة الأمريكية؛ بطرده الخبراء السوفيت وإعلانه إن 99% من أوراق اللعبة السياسية في الشرق الأوسط في يد أمريكا، وإن حرب أكتوبر هي أخر الحروب بين مصر وإسرائيل. ذلك النهج الساداتي دفع كافة التيارات السياسية – ويخاصةٍ التيارين الناصري وأصحاب الإسلام السياسي – للوقوف موقف العداء ضده. ضاق السادات ذرعًا بكل رموز المعارضة، فاعتقل كل الرموز الثقافية والقيادات السياسية الفاعلة في مصر، ومن بينهم محمد حسنين هيكل، وبعد اغتيال أنور السادات تولى محمد حسني مبارك السلطة، وأصدر عفوًا عن كل من اعتقلهم السادات، واستقبلهم في القصر الرئاسي وعلى رأسهم محمد حسنين هيكل. الذي سطر كتابًا؛ جعل عنوانه: »خريف الغضب« وكرَّس صفحاته للتنديد بسياسات الرئيس محمد أنور السادات، ولم يتورع عن تناول صفاته الشخصية وأصوله العائلية، مما أثار حفيظة الكثيرين، وهبت عاصفة هوجاء من الكتابات والمقالات التي جاءت ردًا على كتاب هيكل »خريف الغضب« وتفنيدًا له، حتى إنك إذا تصفحت أية صحيفة مصرية في ذلك الوقت – أي في أعقاب نشر الفصول الأولى من كتاب هيكل »كم عمر الغضب؟« بالصحف داخل مصر وخارجها – لن تجد صفحة من صحيفة مصرية إلا وبها مقال يهاجم محمد حسنين هيكل بسبب كتابه هذا.
كان الاستقطاب واضحًا: فقد أعطاها أنصار هيكل وخصومه طابع الصراع بين عهد السادات وعهد أنصار عبد الناصر، بحيث لم يقتصر إعجابهم بالكتاب على ما حواه من فضائح تمس العهد الساداتي، بل كان من أهم أسباب ترحيبهم به ما احتواه من دفاع، صريح تارة وضمني تارة أخرى، عن العهد الناصري. ومن جهة أخرى فقد كان الناقدون الناقمون عن الكتاب هم، بلا استثناء تقريبًا، من مؤيدي سياسة السادات، فلم يقتصروا في هجومهم على تبرير تلك السياسة، وإنما اغتنموا الفرصة لكي يُجروا مقارناتهم المألوفة بين العهدين، ويثبتوا (على طريقتهم الخاصة) إلى أي حد تمكن العهد اللاحق من إصلاح ما أفسده العهد السابق. (المرجع السابق، ص 10)
وهكذا كان هيكل، في نظر البعض، شاهد صدق فضح عهدًا فاسدًا بأدلة لا تُنًكر، وكان في نظر البعض مفتريًا على الحق مختلقًا للأكاذيب ناشرًا للباطل. ولم يكن أمام الجمهور إلا أن يختار بين هذين الطرفين: فأنت إما مع هيكل فتصدّق كل ما كتب، وإما ضده، فتكذّب كل ما قال.
أما الدكتور فؤاد زكريا فيؤمن إيمانًا راسخًا بأن هذا الاستقطاب للجماهير بين ناصريين وسادتيين، وهذا الاختيار المفروض عليها بين التصديق المطلق والتكذيب المطلق، ما هو إلا مظهر خطير لضيق الأفق السياسي الذي فرض نفسه على عقولنا منذ 1952. فالقضايا الحقيقية التي تثيرها عملية »الفضح «في كتاب هيكل، لا تؤدي أبدًا إلى الاختيار بين عهدين، وإنما تؤدي إلى إلقاء ظلال من الشك على مرحلة بأكملها تشمل العهدين معًا، ويمكن أن تشمل غيرهما أيضًا. أما الاختيار الآخر بين التصديق والتكذيب فلابد للعقل الواعي أن يتجاوزه. والموقف الذي دافع عنه فؤاد زكريا هو أن في وسع المرء أن يصدق الكثير جدًا مما قاله هيكل، دون أن يكون مع ذلك مؤيدًا لهيكل. (المرجع السابق، ص 11)
والمشكلة أوسع من أن تكون مشكلة هيكل لوحد، أو السادات وحده، أو عبد الناصر وحده. إنها مشكلة أسلوب كامل في الحكم، كانت القضايا التي أشار إليها هيكل (ببراعة ودقة) مجرد عَرَض لمرض. لم يكن هدف فؤاد زكريا الحقيقي من إصدار كتابه »كم عمر الغضب؟« التعليق على كتاب أو نقد مؤلفه، بل كان هدفه الكشف عن تلك الظروف والأوضاع التي جعلت الكاتب، والكتاب، والرؤساء الذين يتحدث عنهم، على ما هم عليه. (المرجع السابق، ص ص 12 -13)
أما الخطأ الرئيسي الرئيسي الذي اتسم به موقف هيكل، والذي يُعَد بدون مبالغة عرضًا من أعراض مرض أوسع نطاقًا، فهو إنه استثنى نفسه تمامًا من اللوم، وصب اتهاماته على الغير، وكأنه كان طوال الوقت مشاهدًا محايدًا، أو ناصحًا أمينًا لا يستمع إليه أحد. ولقد بحثت طوال الصفحات التي قاربت الستمائة في كتاب هيكل، عن سطر واحد من النقد الذاتي، فلم أجد. وكان أقصى ما قاله عن نفسه هو أنه تصور أن السادات سيفعل كذا أو كذا ولكن تصوراته لم تتحقق، ويكون المعنى الضمني دائمًا هو أن الخطأ في عدم تحققها يرجع إلى أن الطرف الآخر لم يستمع إلى نصحه، أو لم يفعل ما كان هيكل يأمل أن يفعله. وكل من عاش هذه الفترة وتابعها بوعي، ولم يفقد ذاكرته تحت وطأة الدعايات المتلاحقة التي تتخذ كل يوم موقفًا مناقضًا لليوم السابق، يعلم حق العلم أن هيكل كان جزءًا لا يتجزأ من معظم الأخطاء التي يعيبها على السادات، وأن دوره قد بلغ ذروة التأثير في سنوات التكوين، التي تشكلت فيها معالم السياسة الساداتية الجديدة، والتي ترجع إليها معظم التطورات اللاحقة. هذه حقيقة لابد أن يثبتها التاريخ على نحو قاطع، ومع ذلك فإن من يبحث عند هيكل عن كلمة واحة تعبر عن تأنيب الضميرأو مراجعة النفس أو نقد الذات على ممارسات غرست البذرة الأولى والأساسية للشجرة التي نمت معوجة فيما بعد، سيكون بحثه قد ضاع هباءً. (المرجع السابق، ص 15)
ذوحين وصف هيكل عملية اعتقاله وصفًا دراميًا مفصلاً، كان يتحدث في الواقع عن نقطة تحول هامة في حياته، جعلته يتخذ قراره بأن يتكلم. والأمر المذهل حقًا هو أن هذا الاعتقال المخفف جدًا سواء من حيث مدته أو أسلوب معاملته في السجن، لم يكن مما يمكن مقارنته على الإطلاق بما يحدث لألوف الأشخاص من قبل، ممن ذاقوا أشد الأهوال لمدد أطول كثيرًا، وفي ظروف أصعب ألف مرة. ومع ذلك فإن هيكل يصور حادثة اعتقاله كما لو كانت شيئًا فريدًا من نوعه، ولم يحاول أن يعالجها، ولو في سطر واحد، بوصفها ظاهرة عامة ونتيجة ضرورية لأسلوب معين في الحكم. وواقع الأمر إن هيكل لم ينطق بحرف حين كانت الاعتقالات تحدث جزافًا، وتنتهي في حالات معينة بعاهات مستديمة للمعتقلين، وربما بموتهم. لم يحركه امتهان كرامة الإنسان أو لجوء فئة معروفة من السجانين إلى ممارسات غير آدمية. (ص 212)
ويقدم إلينا هيكل أوصافًا وتفاصيل طريفة عن إحساس السادات بالعظمة وبأن الآخرين إلى جواره »أقزام«، وعن عزلته المتزايدة وتناقص عدد مستشاريه يومًا بعد يوم. ولكنه يصف هذه الظاهرة كما لو كانت عيبًا شخصيًا في السادات. ولو تعمق في الأمر قليلاً لأدرك أن أسلوب الحكم الفردي لابد أن يؤدي إلى هذا النوع من جنون العظمة. فحين يمسك فرد واحد، لمدة سنوات عديدة، بسلطات هائلة في يديه، وحين (ص 212) يسمع كلمات الموافقة والطاعة من كل المحيطين به، وحين تملأ صوره وأخباره وكلماته أجهزة الإعلام صباح مساء، وحين تتحول أية رغبة له إلى واقع فعلي بمجرد أن ينطق بها، وتتقرر المصائر والسياسات بكلمات من قلمه … حين يحدث ذلك كله لفرد واحد، لابد أن ينتهي تكوينه النفسي إلى عدم التوازن. وكم ألفت كتب عن هذه الظاهرة في حالة عدد كبير من الحكام الفرديين، ومع ذلك فإن هيكل يقدمها إلينا كما لو كانت تعبيرًا عن اختلال في شخص السادات كفرد، ويتجاهل الجانب العام للظاهرة، الذي يجعلها نتيجة ضرورية لانفراد إنسان واحد بعدد هائل من السلطات. (المرجع السابق، ص ص 212- 213)
إن القضية ليست قضية السادات وحده، ولا عبد الناصر وحده؛ بل قضية أسلوب الحكم الذي لا يستند إلى تمثيل شعبي حقيقي – ذلك الأسلوب الذي أدركه هيكل في حالة السادات، ولم يدركه قبل ذلك. والأمر المؤسف هو أنه كان واعيًا به، إذ كان هو قد نصح السادات، بعد انتصاره في حركة التصحيح، بأن يحدث الناس في خطاب إلى مجلس الأمة عن قضية الديمقراطية، لأنها هي »القضية التي تهم الناس مباشرةً في هذه الظروف. إن الناس يريدون أن يسمعوه وهو يؤكد لهم ضمانات حرياتهم. لقد أفلتوا بالكاد من شبح دكتاتورية كان يمكن أن تصل في تجاوزاتها إلى حد معين«. إذن فقد كان هيكل يعلم أن الناس تواقه إلى الديمقراطية، وإن الجناح الذي هُزِمَ، والذي هو الملتصق بعبد الناصر والمنفذ لسياسته، كان دكتاتوريًا، فهل حاول في ذلك الحين أن يدافع عن المبدأ الذي تحول الآن إلى داعية له، أم أن الديمقراطية لا تجد من ينادي بها إلا حين يكون الحكم في موقع الضعف، بينما تُسْحَق بالأقدام بمجرد إحساسه بالقوة؟ (المرجع السابق، ص ص 213- 214)
إن هيكل على العكس من ذلك، طلع علينا – خلال فترات الشعور بالقوة – بنظرية »الديمقراطية بالموافقة«، ويعني بها أن يكون الحاكم على وعي بمطالب الجماهير وأمانيها، فيحققها لها، وعندئذ لابد أن يكون تصرفه ديمقراطيًا، لأن الجماهير ستوافق حتمًا عليه، ولأنه تعبير صادق عما تريده الجماهير. ويدافع هيكل، في حديث قريب، عن هذه الفكرة، مؤكدًا أنه لم يقل بها إلا بعد أن اتخُذِتَ القرارات الكبرى المعبرة عن موافقة الشعب، كتأميم قناة السويس والتطبيق الاشتراكي وبناء السد العالي، … إلخ، ولم يدرك هيكل أنه حتى تلك القرارت الكبرى ينبغي أن تسند، قبل اتخاذها لا بعده، إلى إرادة شعبية، أما لو اقتصر الأمر على اتخاذها من أعلى؛ فستظل معرضة للخطر. وهذه بالفعل كانت الغلطة الكبرى للعهد الناصري: فقد اتخذ بالفعل قرارات كبرى وحاسمة، ولكنها لم تنبثق عن الشعب وإنما أتت من أعلى، وظلت معتمدة بقاء الزعيم الذي أوجدها، فلما اختفى، انهارت يعده وكأنها بيت من ورق. (ص 214)
وهكذا كانت نظرية »الديمقراطية بالموافقة« بدعة إبتدعتها قريحة محمد حسنين هيكل، وهي بدعة ينكرها أي حس ديمقراطي سليم. بل إننا لا نعدو الصواب إذا قلنا إنها سلاح ذو حدين: إذ إن السادات كان يؤكد، من جانبه، »أن 9, 99 % من شعبي يؤيدني في زيارة القدس، وفي الصلح والتطبيع مع إسرائيل، ولا يعارضني في ذلك إلا مجموعة من الأرزال!.. « أترون إلى أين يمكن أن تؤدي بالشعب أفكار خطيرة كالديمقراطكية بالموافقة؟ (ص 215)
إن الحكم الفردي، حتى لو بلغت إنجازاته عنان السماء، يظل معرضًا للوقوع على الدوام في كوارث. وما كانت كارثة 1967 – التي لم يعرض لها هيكل في كتابه إلا بطريقة سريعة وفي مساحة تقل بكثير عما خصصه للحديث عن مسكن السادات أو زوجات أبيه – ما كانت في حجمها وفي فداحتها إلا نتاجًا للحكم الفردي. والواقع أن مشكلة هذا الأسلوب في الحكم هي أن خطأ الفرد فيه يمتد إلى أمته بأسرها، على حين أن تأثير الخطأ في الحكم الديمقراطي يكون أضيق نطاقًا بكثير، فضلاً عن أن احتمالاته أقل، وإمكانية إصلاحه أكبر. ومن هذا النوع كان خطأ عبد الناصر في التقدير عام 1967، وخطأ السادات في أسلوب التفاوض بعد حرب 1973، وزيارته للقدس عام 1977. إنها كلها قرارات فردية لحاكم فرد، معرض كسائر البشر للخطأ، ولكن خطأه يتحول، بسبب طبيعة حكمه، إلى كارثة. (المرجع السابق، الموضع نفسه)








